وكذلك الباء في قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ) {آل عمران: 223} التي جعلوها للظرفية بمعنى (في) [1] فهي على بابها فليس المعنى أنَّ الله سبحانه نصر المسلمين وهم في بدر، وليس المعنى أيضًا أنَّه سبحانه نصرهم في مكان قريب أو ملتصق ببدر، بل المعنى أنَّ نصر الله سبحانه لهم كان ممتزجًا ببدر ومختلطًا به، أي: أنَّ بدرًا كانت ظرفًا لنصر الله لهم، وليس ظرفًا للمنتصرين، وكذلك الباء في قوله تعالى: (نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ) {القمر: 34} فليس المراد أنَّه سبحانه نجاهم قبيل السحر، بل نجاهم في السحر، ولم يجئ بـ (في) لأنَّه ما أريد أن يكون وقت السحر ظرفًا للذين أنجاهم، بل جاء بالباء لأنَّه أراد اختلاط وقت النجاة بوقت السحر، وكذلك الباء في قوله تعالى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) {إبراهيم: 37} ليس المراد منها إلصاق أشخاص ذريته بالوادي، بل إلصاق إسكانهم به، فكأنَّ الوادي غير ذي الزرع صار وسيلة أو واسطة لهذا الإسكان، أي: أنَّ إلصاق الساكنين به من ذريته لا يعني أيضًا أنَّهم قائمون بجانب الوادي، بل يعني أنَّهم ملتبسون ومختلطون به فعادوا بعضًا منه، ولو استعمل (في) لكان المراد جعل الوادي ظرفًا تحل فيه ذريته للسكن فيه، واستعمل الباء لأنَّه أراد المعنى الأول، ومن ذلك جعلهم الباء بمعنى (في) في قوله تعالى: (سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) {الرعد: 10} وليس الباء بمعنى (في) كما قالوا؛ لأنَّه ليس المراد جعل الليل ظرفًا للمستخفي بل ظرفًا للاستخفاء، وهذه الظرفية جاءت لكون الباء أفادت إلصاق الاستخفاء بالليل، بمعنى تعلقه به، فيكون الليل وسيلة للخفاء؛ لأنَّه ارتبط به بمعنى الإلصاق، ومستخف من استخفى على صيغة استفعل، وهي تفيد هنا معنى الطلب، فيتحقق بها معنى آخر، فيكون معنى (مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ) : طالبٌ من الليل أن يخفيه، أي: مستعين به ليختفي ويستتر، ولو استعمل (في) وقيل: مستخف في الليل، لأفادت معنى الظرفية من دون أن تفيد جعل الليل وسيلة للخفاء، وهو المعنى المراد، وكذلك كان النهار وسيلة لظهور العبد نهارًا.
وكذلك جعلوا الباء بمعنى (في) في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيه أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) {يونس: 87} أي: في مصر، وجعل الباء بمعنى (في) هنا لا مسوغ له، لا من حيث اللغة ولا من حيث الدلالة، لأنِّي لم أجد في معاجم اللغة من ذكر أنَّ
(1) كما جاء أيضًا في الدر المصون 3/ 383.