الصفحة 157 من 298

في أسلوب ردٍّ لهذا الإنكار، فناسب استعمال الباء التي تفيد الإلصاق؛ ليتضمَّن هذا الرد بأنَّ هذا العذاب سيقع عليه لا محالة، وتأمَّل كيف تطابق الإنكار والرد عليه، وتناسقا بين قوله تعالى: (بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) {الأنفال: 32} وقوله تعالى: (بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) {المعارج: 1} ولو استعمل (عن) بدلًا من الباء لاختل هذا التناسق بين الاستهزاء والجواب عنه، من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى )) [1]

5 -جعل الباء ظرفية بمعنى (في) : فرق الدكتور فاضل السامرائي بين ظرفية (في) وظرفية الباء بقوله: (( إنَّ ظرفية(في) ظرفية تضمن واحتواء وظرفية الباء ظرفية ملاصقة واقتران 000 وتقول: أقام بالبصرة، على معنى الملاصقة والاقتران، فإن قلت: أقام فيها فعلى معنى تضمنته واحتوته 000 جاء في الأصول: واعلم أنَّ العرب تتسع فيها، أي: في حروف الجر فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربت المعاني، فمن ذلك الباء، تقول فلان بمكة وفي مكة، وإنَّما جازا معًا؛ لأنَّك إذا فلت: فلان بموضع كذا وكذا، فقد خبرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع [2] وإذا قلتَ في موضع كذا، فقد خبرت بـ (في) عن احتوائه إياه وإحاطته، فالباء للملاصقة والاقتران و (في) للاحتواء، قال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار) {البقرة: 274} وقال: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ) {الأنعام: 60} فجاء بالباء ِلأنَّ الإنفاق مقترن بوقت الليل والنهار وكذلك التوفي، بخلاف قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) {الحج: 61} فإنَّه جاء بـ (في) لإرادة التضمن والاحتواء، فقد جعل النهار ظرفًا للَّيل، والليل ظرفًا للنهار، كأنَّه يحتويه، أي: يدخل فيه، فلما كان كذلك جاء بـ (في) بخلاف ما مرَّ فإنَّ التوفي لا يدخل في الليل ولا الإنفاق، وإنَّما يقترن الفعل بهذا الوقت، فجاء بالباء لإرادة المصاحبة والاقتران، وجاء بـ (في) للتضمن والاحتواء، وتقول: نزل بالبئر، ونزل في

(1) النصب على نزع الخافض والتضمين من بدع النحاة والمفسرين: تحت عنوان: شواهد التضمين في القرآن الكريم، الشاهد رقم 6.

(2) انتهى هنا الكلام الذي نقله من كتاب الأصول في النحو لابن السراج تحقيق عبد الحسين الفتلي 1/ 505 - 506

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت