ث-هذا الادعاء أيضًا أدَّى إلى الظن بتساوي التركيبين: سأل عن عذاب، وسأل بعذاب، مما جعل أهل اللغة والتفسير يعزفون عن ذكر الفرق الدلالي بينهما، بل لم يشيروا البتة إلى سر استعمال الباء من دون (عن) ، وإذا علمنا أنَّ سر إعجاز القرآن قائم على مثل هذه القضايا التعبيرية، فإنَّ هذا يعني أنَّهم بما زعموا قد أماتوا روح هذا الإعجاز، وأقبروا ما في القرآن الكريم من الأوجه البلاغية.
ج-إنَّ الغرض من استعمال الباء هنا واضح لا يحتاج للتعرف إليه إلاّ إلى قليل من الملاحظة بين الآية وسبب نزولها، فقد أجمعوا على أنَّ الباء بمعنى (عن) على الرغم من أنَّهم قد أجمعوا على أنَّ معنى الآية وسبب نزولها هو: (( دعا داعٍ بعذاب واقع، وهو النضر بن الحارث بن كلدة، قال: اللهم إن كان ما يقوله محمد، هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فأُسِر يوم بدر فقُتِل هو، وعقبة ) ) [1] وهو إشارة إلى قوله تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) {الأنفال: 32} [2] وقال أبو حيَّان في تفسير هذه الآية: (( قال الجمهور: نزلتْ في النضر بن الحارث حين قال: اللهم أنزل ) ) [3] وعن هذه العلاقة (( قال أبو عبد الله: أول هذه السورة جواب لقوله تعالى، حكاية عن المشركين:(وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) {الأنفال: 32} فأنزل الله قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ {1} لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ) {المعارج: 1 - 2} [4]
فليس هناك تناسب بين (عن) وحال سؤال هذا المنكر المستهزئ؛ لأنَّ استعمال (عن) ، يكون جوابًا عمَّن سأل عن الشيء ليعرف ما العمل لتجنب العذاب، فلو كان الأمر كذلك، لقيل: سأل سائل عن عذاب الله، فاتقوه يا عباد الله، ولكن لمَا كان سؤال الساثل عن شيء ينكره، ويريد مستهزئًا ومتحدِّيًا وقوعه عليه، لم تجئ الآية في أسلوب جواب، بل
(1) معاني القرآن للفراء 3/ 81.
(2) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية 5/ 364.
(3) البحر المحيط 8/ 465.
(4) إعراب القراءات السبع وعللها، لابن خاليه الأصبهاني ص 459.