البئر، فالأولى على معنى أنَّه نزل بقربها 000 فإن أردت النزول في داخلها فلا تقول إلاَّ: نزل في البئر )) [1]
جعل النحاة المعنى الأساسي للباء هو الإلصاق، قال المالقي: (( أن تكون للإلصاق، نحو: مررتُ بزيد، وقدتُه بعصاه، وجذبته بشعره، معنى ذلك كله أنَّك ألصقت المرور بزيد، والقود بالعصا، والجذب بالشعر ) ) [2] وجعلوه على ضربين: (( حقيقي، نحو: أمسكتُ الحبل بيدي 000 ومجازي، نحو: مررتُ بزيد ) ) [3] وقال الدكتور فاضل السامرائي: أي: (( ليس على معنى أنَّك ألصقت نفسك به في مرورك ) ) [4] فالمراد إذن إلصاق الفعل لا الفاعل وإلصاق المعنى لا الذات، ومعنى الإلصاق يتحدد ويتسع ويتصل بالملصق به بقدر ما يسمح به معنى الملتصِق، فقد يتحدد بالاقتراب منه، نحو المثال المذكور: مررتُ بزيد، أو بملامسته، نحو: مسحتُ برأسي، أو يتسع إلى حد الامتزاج والاختلاط حتى يصير الملتصِق جزءًا من الملصَق به، لذلك وجب تعريف الباء بأنَّها تفيد الإلصاق والاختلاط، لئلا يُتوَّهم من القول المذكور: فلان بمكة، أنَّه ليس داخل مكة، بل هو ملتصق بها، أي: قريب منها، والصحيح أن يكون المراد أنَّه داخل مكة، والباء تفيد اختلاط وجوده بها، فلو قلتُ عن نفسي مثلًا: كنت في الدراسة الابتدائية طالبًا بالمدرسة القحطانية، فيجب أن لا يكون المقصود أنِّي في تلك المرحلة من الدراسسة كنتُ طالبًا بجوار المدرسة القحطانية، بل المراد أني كنت طالبًا فيها وليس في مكان ملاصق ومتصل بها، ويكون الفرق بين الباء و (في) أنَّه باستعمال الأولى يكون المعنى أنَّ وجودي طالبًا أنذاك كان ممتزجًا بالمدرسة، حتى كنت بامتزاج وجودي بوجودها جزءًا منها، أي: التعبير عن ظرفية الباء أنَّها ظرفية امتزاج واختلاط، أدق من التعبير عنها بظرفية ملاصقة واقتران، لذلك كما جاز استعمال (في) في قوله تعالى مثلًا: (( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) {الحج: 61} لما ذكره الدكتور فاضل السامرائي جاز أيضًا استعمال الباء وأن يقال في الكلام: يولج الليل بالنهار ويولج النهار بالليل، ويكون
(1) معاني النحو 3/ 80.
(2) رصف المباني ص 221.
(3) الجنى الداني ص 36 - 37 وينظر مغني اللبيب 1/ 101
(4) معاني النحو 3/ 17.