الصفحة 154 من 298

المنهج الصحيح والسليم أن نبقي الحرف على معناه وإن بدا بمعنى حرف آخر، وقليل من التأمل كفيل إلى أن يوصلنا إلى سرِّ استعماله من دون سواه، فقد جعلوا الباء مثلًا بمعنى (عن) في قول (( علقمة:

فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب

إذا شاب رأس المرء أو قلَّ ماله فليس له في ودِّهنَّ نصيب )) [1]

(( أي: عن النساء ) ) [2]

والحقيقة أنَّ جعل الباء على معناها الذي هو الإلصاق أكثر ملاءمة إلى سياق البيت ومضمونه؛ فلو لم يكن الشاعر قريبًا من النساء وملتصقًا بهن لما أصبح خبيرًا بأسرارهنَّ وشؤونهنَّ وصرح بما صرح به، فهو إذن جدير بأن يُسأل بهنَّ لا عنهنَّ، أمَّا قوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) فإنَّ المفسرين أجازوا جعل الباء بمعنى (عن) ولم يعيِّنوه بل فسروا الآية بما يطابق المعنى الأصلي للباء فقد فسَّرها الطبري بقوله: (((فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) يقول: فاسأل يا محمد خبيرًا بالرحمن، خبيرًا بخلقه فإنَّه خالق كل شيء، ولا يخفى عليه ما خلق )) [3] وقال الواحدي: (( قال الكلبي: فاسأل الخبير بذلك ) ) [4] فالتفسير يدل على أنَّ (به) متعلق بالخبير لا بالسؤال، فالصحيح أنَّ الباء على بابها؛ لأنَّ (( المراد بالخبير الله تعالى، ويكون من التجريد كقولك: لقيتُ به أسدًا، والمعنى: فاسأل الله الخبير بالأشياء ) ) [5] وجعل الباء بمعنى (عن) (( أنكره علي بن سليمان وقال: أهل النظر ينكرون أن تكون بمعنى(عن) لأنَّ في هذا إفسادًا لمعاني قول العرب 000 وكذلك قال ابن جبير: الخبير هو الله تعالى )) [6]

(1) الدر المصون 1/ 15.

(2) الجامع لأحكام القرآن 13/ 52.

(3) جامع البيان 19/ 35.

(4) الوسيط 3/ 281.

(5) الدر المصون 8/ 493 وينظر: الكشاف 3/ 281.

(6) الجامع لأحكام القرآن 13/ 52 وعلي بن سليمان هو الأخفش الأوسط (ت: 315 ه) ينظر: بغية الوعاة للسيوطي 2/ 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت