الصفحة 153 من 298

سياق الآية، أنَّ الباء للإلصاق، حتى إنَّه يترتب عليه حكم، وهو أن يمس هذا المسح الرأس، لا أن يكون مجرد لمس لشعره، فالباء حددتْ فقط غرض إلصاق المسح بالرأس، ولا علاقة لها بمساحة الممسوح منه، لذا جاز أن يكون المسح لجميع الرأس، أو لجزء منه، إلاّ أنَّه يتعيَّن أن يكون المسح لجميع الرأس عند حذف الباء، وقولنا في الكلام: وامسحوا رؤوسكم؛ لأنَّ (رؤوسكم) ، تكون عندئذ منصوبة على المفعولية، ويكون المعنى بها أن يستوعب المسح (رؤوسكم) ، مما يقتضي شمول الرأس جميعه بفعل المسح، فالفرق بين الجر والنصب جلي وكبير، ما كان ينبغي للنحاة والمفسرين أن يساووا بينهما )) [1] .

4 -جعل الباء للمجاوزة بمعنى (عن) : وجعلوا من ذلك الباء في قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) {الحديد: 12} وقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) {الفرقان: 25} وقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) {الفرقان: 59} أي: فاسأل عنه.

قال الدكتور فاضل السامرائي: (( وأمَّا قوله تعالى:(يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) فليس على معنى المجاوزة، والله أعلم لأنَّ معنى: عن أيمانهم، مبتعد عن أيمانهم وليس هناك دليل عليه في هذه الآية، بل الأقرب أنَّ النور قريب من اليمين أو مختلط باليمين لا مبتعد عنها، كما في قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) {طه: 17} وأمَّا قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) فليس على المجاوزة أيضًا والله أعلم فإنَّ هناك فرقًا بين قولك: قولك: انشقت التربة عن النبتة، وانشقت التربة بالنبتة، فمعنى الأول: أنَّها انكشفت عن النبتة، ومعنى الثاني: أنَّها انشقت بسببها )) [2]

وكذلك قالوا أنَّها بمعنى (عن) في قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ {1} لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ) {المعارج 1 - 2} أي: سأل عن عذاب، وهذا ما عُبَّر عنه أيضًا بمعنى المجاوزة.

(1) النصب على نزع الخافض والتضمين من بدع النحاة والمفسرين، المبحث الثالث تحت عنوان: النصب على نزع الخافض المطرد في القرآن الكريم رقم الشاهد 11.

(2) معاني النحو 3/ 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت