إنكار ما يدعونه وهو قولهم بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر، وجعل (أم) بمعنى (بل) يجردها من معنى الاستفهام وغرضه المذكور، وقال سيبويه: (( وزعم الخليل أنَّ بيت الأخطل(من الكامل) :
كذبتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسطٍ ... غَلَسَ الظلام من الرَّباب خيالا
كقولك: إنَّها لإبل أم شاء، ومثل ذلك لكثيِّر بن عزة (من الطويل) :
أليس أبي بالنَّضْر أم ليس والدي لكل نجيب من خزاعة أزهرًا [1]
ويجوز في الشعر أنَّه يريد بـ (كذبتك) الاستفهام ويحذف الألف )) [2]
وقال المبرد في الشاهد الشعري الأول: (( ويجوز أن يكون(أكذبتْكَ عينُك) فحذف الالف، ويجوز أن يكون ابتدأ (كذبتك عينك) مخبرًا ثم أدركه الشك في أنَّه قد رأى (يعني في المنام) فاستفهم مستثبتًا) [3] فسيويه والمبرد لم يجعلا (أم) منقطعة بمعنى (بل) وحدها كما ذهب أبو عبيدة، أو بمعنى ألف الاستفهام وحدها، بل جعلاها وجمهور النحاة منقطعة بمعنى (بل) وألف الاستفهام [4] وهي عندهم استدراك لشك تقدمها، قال السيرافي: (( وأمَّا قوله: كذبتْكَ عينُك أم رأيتَ بواسط، فإنَّه يكون على أنَّه خبَّر بكذب عينيه ثُمَّ أدركه ظن فقال:
كذبتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسطٍ ... غَلَسَ الظلام من الرَّباب خيالا
وقد يخبر الشاعر بالشيء ثم يرجع عنه إمَّا بتكذيب نفسه أو بالتشكيك فيه كقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القِدم ... بلى وغيَّرها الأرواح والدِّيمُ
(1) الأزهر: الحسن الجميل من الرجال، وقد جاءت هنا بمعنى القدوة أو المثال الذي يحتذى به، والمعنى: إني شريف النسب، فأبي أبو قريش النَّضْر بن كنانة الذي كان مثالًا يقتدي به الناس من بني خزاعة التي تعود بنسبها إلى النضر بن كنانة.
(2) كتاب سيبويه 3/ 196 - 197.
(3) المقتضب 2/ 243.
(4) ينظر: المحتسب لابن جني 2/ 341 والبيان في غريب إعراب القرآن 2/ 395 والدر المصون 10/ 75 - 76.