الصفحة 124 من 298

فقوله: بلى، تكذيب منه لما نفاه، ويجوز أن يكون على حذف الألف من (كذبتْك) كأنَّه قال: أكذبتْكَ أم رأيتَ، على تقدير: أيُّهما كان، كأنَّه قال: أتمثَّلَتْ لك في اليقظة لفكرك فيها على غير حقيقة أم رأيتها في النوم )) [1] والظاهر أنَّ الشاعر أراد المعنى الأخير في الحالين أي: أنَّه لم يرد البتة معنى الشك ثم الرجوع عنه وقوله: (( وقد يخبر الشاعر بالشيء ثم يرجع عنه إمَّا بتكذيب نفسه أو بالتشكيك فيه كقول زهير:

قف بالديار التي لم يعفها القِدم ... بلى وغيَّرها الأرواح والدِّيمُ

فقوله: بلى، تكذيب منه لما نفاه )) فإنَّه ثمة فرق أساسي بين معنى الشك والرجوع عنه، وهو المعنى الذي أوجبه سيبويه والنحاة على قول الأخطل وجعلوه بتقدير (بل) وألف الاستفهام والذي بموجبه جعلوا (أم) فيه منقطعة، وبين المعنى الذي جاء في بيت زهير، فالنحاة قد زعموا أنَّ الأخطل رجع عن شك أو غلط وقع فيه من غير عمد عندما قال: أم رأيت بواسط، ثم تداركه باستعمال (أم) وهذا ما لا يصح وقوعه في القرآن الكريم ولا في كلام فصيح كما صرَّح بذلك عدد من النحاة كما تقدَّم، وزهير لم يستعمل قوله: بلى وغيَّرها الأرواح، لتدارك شك أو غلط وقع فيه بل ردَّ على ما قاله عن علم وعمد مسبق وهذا جائز وقوعه في القرآن الكريم وفي الشعر العربي، كما أنَّ الشاعر في الحقيقة لم ينف ما أثبته؛ لأنَّ التغيير غير الإعفاء فقولك: (( عفت الرياح الآثار: إذا درستها ومحتها ) ) [2] وهذا ما يؤكد ما نبهتُ عليه غير مرة بأنَّ جعل (أم) بهذا التقدير المزدوج مبني على أنَّها بمنزلة (بل) بمعناها الإبطالي لا الانتقالي، أي: إبطال غلط وقع فيه المتكلم، وقد أقر النحاة بعدم صحة وقوع هذا المعنى في القرآن الكريم، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنَّ استدراك شك أو وهم أو غلط يحصل في حال الاستفهام الحقيقي، ويمتنع حصوله في حال الاستفهام المجازي، والاستفهام في الشاهد الأول مجازي؛ لأنَّ الشاعر فيه يخاطب نفسه، فهو لم يشك حتى يستدرك على شكه لعلمه مسبقًا بما ابتدأ من الكلام وبما انتهى إليه، فالشاعر يريد أن يقول لنا إنَّه لا يدري أهذا الخيال الذي يرى حبيبته عليه أهو خداع عين أم حلم منام؟ فهو لم يقطع بأحدهما، لذلك أخرجه مخرج الاستفهام والغرض من ذلك حمل نفسه على الإقرار

(1) شرح كتاب سيبويه 3/ 418 - 419.

(2) لسان العرب 10/ 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت