وألف الاستفهام )) [1] وقال أبو حيان: (( أي: بل أيقولون اختلقه، انتقلوا من قولهم: هذا سحر، إلى هذه المقالة الأخرى، والضمير في(افْتَرَاهُ) عائد إلى الحق )) [2]
والحقيقة أنَّ (أم) عاطفة متصلة ومن أدلة ذلك اتصال ما بعدها بما قبلها بالضمير المذكور، فهي متصلة بما قبلها اتصال عطف لأحد الشيئين وليس اتصال إضراب، ولو كانت بهذا الذي قالوه لاستعمل (بل) كما قدروا، وإنَّما هي عاطفة استفهامية استفهمت عمَّا بعدها الذي يتضمن القول بالافتراء، ثم عطفته وردته على ما قبلها الذي يتضمن القول بالسحر، والمعنى: أيُّ الأمرين بالقرآن الموصوف بالحق كائن؟ أنَّه سحر أم أنَّه قول مفترى؟ ذا أم ذا؟ وهذا الاستفهام ما أريد منه تعيين أحد هذين الأمرين؛ لأنَّه استفهام مجازي؛ فيكون المراد منه حمل المخاطبين على إنكار هذين الأمرين جميعًا، أي: أنَّ هذا القرآن ليس بسحر، وليس هو بقول مُفترى.
21 -قال الله تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ {29} أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) {الطور: 30}
قال أبو عبيدة في (أَمْ) في هذه الآية (( مجازها: بل يقولون، وليست بجواب استفهام، قال الأخطل:
كذبتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسطٍ ... غَلَسَ الظلام من الرَّباب خيالا [3]
لم يستفهم إنَّما أوجب أنَّه رأى بواسط غلس الظلام من الرباب خيالًا )) [4] وقد أكَّد أنَّ الواقع ما جاء بعد (أم) لأنَّه جعلها بمعنى (بل) والشاعر لم يرد المعنى الذي ذكره أبو عبيدة، وقد تقدم أنَّ جمهور النحاة استبعدوا مجيء (أم) بمعنى (بل) لوجود فرق أساسي بينهما وهو أنَّ ما بعد (بل) متحقق ويقين وما بعد (أم) مظنون ومشكوك فيه، والحقيقة أنَّ (أم) لا يفارقها الاستفهام، وهو في الآية استفهام مجازي، والغرض منه هنا حمل المخاطَبين على
(1) المحرر الوجيز 5/ 93.
(2) البحر المحيط 8/ 79.
(3) واسط: مدينة عراقية، وغلس الظلام: ظلمة آخر الليل، والرَّباب: اسم محبوبته، والمعنى: خدعتك عينك في رؤية رباب أم كانت رؤيتك لها في المنام ليلًا؟
(4) مجاز القرآن ص 262 - 263.