الصفحة 121 من 298

المراد منه حمل المخاطبين على إنكار ما جاء بعد (أم) والإقرار بما جاء قبلها، وهذا هو المعنى والتفسير الموافق لدلالة (أم) الذي أراده القائل، أمَّا ما قاله المفسرون فهو تفسير مفروض على النص، فلو أراد ما قالوا به لاستعمل (بل) وألف الاستفهام كما قدروا.

19 -قال الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ {18} إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ {19} هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ {20} أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) {الجاثية: 18 - 19}

(أم) هنا استفهمت عمَّا جاء بعدها استفهامًا إنكاريًّا وهو إنكار أن يساوي الله بين الصالحين والمفسدين وهو ردٌّ على شريعة من يتبعون الهوى التي لا تميز بين الحق والباطل التي نهى البارئ عز وجل رسوله الكريم من أن يتبعها، كما أنَّ مضمون ما جاء بعدها لا بدَّ من أن يكون ردّا على من يدعي أو يظن أنَّ الله سبحانه يساوي من يعمل الصالحات بمن يعمل السيئات، وقد جاء في كتب التفسير أنَّ هذه الآية نزلت في نفر من مشركي مكة قالوا للمؤمنين لئن كان ما تقولون حقًّا أنَّ هناك آخرة وبعثًا لنفضلنَّ عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا [1] فيكون المعنى أي الأمرين واقع: المساواة بين الصالحين والمفسدين أم عدم المساواة بينهم؟ أي: أيهما واقع هذا أم هذا؟ وهذا الاستفهام لا يراد منه تعيين أحد هذين الأمرين لأنَّه استفهام مجازي، فيكون المراد منه حمل المخاطبين على إنكار الأمر الأول والإقرار بالامر الثاني.

20 -قال الله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ {7} أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) {الأحقاف: 7 - 8}

قال الزمخشري: (((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرًا إلى ذكر قولهم أنَّ محمدًا افتراه، والهمزة في (أم) للإنكار والتعجب، كأنَّه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه التعجب )) [2] وقال ابن عطية: (((أم) منقطعة مقدرة بـ (بل)

(1) ينظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد 4/ 98 والمحرر الوجيز 5/ 85 وزاد المسير 7/ 164 والجامع لأحكام القرآن 16/ 115 والتحرير والتنوير 25/ 369 - 370.

(2) الكشاف 2/ 289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت