و (أم) هنا عند المفسرين منقطعة تفيد الإضراب، وهي بمعنى (بل) وحدها أو ألف الاستفهام وحدها، أو بمعنى (بل) وألف الاستفهام [1] ويبدو أنَّ المفسرين بصفة عامة راحوا يجعلون (أم) في مثل هذا الموضع منقطعة للإضراب وبأحد هذه المعاني من دون أن يفكروا لحظة واحدة في المعنى المراد، أليس مضمون ما جاء بعد (أم) وما جاء قبلها واحدًا؟ إلاَّ أني لم أجد من المفسرين من أشار إلى وحدة هذين المضمونين التي تقتضي اتصال (أم) بما قبلها لا انقطاعها، فـ (أم) هنا وفي كل موضع استفهمت عما جاء بعدها ثم عطفته وردته على ما قبلها ليكون معادلًا له في أمر وهو أنَّه من اتخذ وليًّا من دون الله يكون كمن لا وليَّ له ولا ناصر؛ لأنَّ أي وليٍّ كان من دونه سبحانه لا ينفع ولا يضر إلاَّ بإذن الله فيكون وجوده وعدم وجوده سيان، ولهذا (( أثبت الحكم بأنَّه عز وجل هو الولي الذي تنفع ولايته ) ) [2]
18 -قال الله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الأخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ {20} أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) {الشورى: 20 - 21}
قال الزمخشري: (( ومعنى الهمزة في(أم) التقرير والتقريع )) [3] و (أم) هنا عند جمهور المفسرين منقطعة للإضراب الانتقالي بتقدير: بل ألهم شركاء [4] وكان ينبغي أن يجعلوا الغرض من استعمال (أم) هو الأساس في تفسير الآية، فبدلاًّ من أن يجعلوها متصلة بما قبلها اتصال اضراب وانتقال، يجعلوها متصلة بما قبلها اتصال رد وعطف لأحد الشيئين، وهذا ما قيل به والتقدير: (( أيقبلون ما شرع الله أم لهم آلهة شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ ) ) [5] وهذا الاستفهام لا يراد منه تعيين أحد هذين الشرعين؛ لأنَّه استفهام مجازي فيكون
(1) ينظر: الدر المصون 9/ 542 والمحرر الوجيز 5/ 27 وزاد المسير 7/ 110 - 111 والتحرير والتنوير 25/ 109.
(2) المحرر الوجيز 5/ 27.
(3) الكشاف 4/ 212.
(4) ينظر: المحرر الوجيز 5/ 32 وأنوار التنزيل 5/ 80 والتحرير والتنوير 25/ 140.
(5) مدارك التنزيل ص 1086.