[1] فتأمَّل شدة اتصال مضمون ما بعد (أم) بمضمون ما قبلها، وذكر البيضاوي أنَّ التسوية بين الصالحين والمفسدين هي من لوازم خلق السموات والأرض وما بينهما باطلًا [2] فقد جعل ما بعد (أم) من لوازم ما قبلها، وليس ثمة اتصال أشد من هذا الاتصال، وقال ابن عاشور: (((أم) منقطعة أفادت إضرابًا انتقاليًّا 000 وقد كان هذا الانتقال بناء على ما اقتضاه قوله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فلأجل ذلك بني على استفهام مقدَّر بعد (أم) وهو من لوازم استعمالها، وهو استفهام إنكاري، والمعنى: لو انتفى البعث والجزاء كما تزعمون لاستوت عند الله أحوال الصالحين وأحوال المفسدين )) [3]
كيف تسنى للمفسرين أن يجعلوا (أم) منقطعة وقد أثبتوا هذا الاتصال بين ما جاء بعدها وما جاء قبلها، حتى أصبح ما بعدها لا يدرك تفسيره والحكمة منه إلاَّ بناء على ما جاء قبلها، إنَّه كان ينبغي لهم أن يكفروا بما أجمع عليه النحاة حين ذهبوا إلى أن يجعلوا (أم) منقطعة تفيد الإضراب في كل موضع وقعت فيه بعد خبر كـ (أم) في هذه الآية أم أنَّه التقليد حال بينهم وبين النطق بالحق والحقيقة وحال بينهم وبين التحرر من أسره، فقد بان مما جاء في كتب تفسير القدامى والمحدثين أنَّ المراد من استعمال (أم) هنا أن تكون استفهامًا إنكاريًا وردًّا وعطفًا على ما قبلها وكأنَّ المعنى: أي الأمرين واقع بطلان الخلق أم التسوية بين الصالحين والمفسدين؟ إلاَّ أنَّ هذا الاستفهام ما أريد منه تعيين أحد هذين الأمرين لأنَّه استفهام مجازي؛ فيكون الغرض منه حمل المخاطبين على إنكار هذين الأمرين جميعًا، والمعادلة حاصلة بينهما على أساس أنَّه إذا ثبت عدم حصول الأمر الاول ثبت تلقائيًّا عدم حصول الأمر الثاني؛ لأنَّ أحدهما ناتج عن الآخر
17 -قال الله تعالى: (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ {8} أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) {الشورى: 8 - 9}
(1) الكشاف 4/ 87.
(2) أنوار التنزيل 5/ 28.
(3) التحرير والتنوير 23/ 146 - 147.