فأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم ترعي حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يومًا بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا قال:"لها شرب ولكم شرب معلوم الشعراء، الآية 155) وقال تعالي:"ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر"[القمر، ألآية 28)"
فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم، واتفق رأيهم علي أن يعقروا الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم. [1]
قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها، حتى علي النساء في خدورهن وعلي الصبيان.
قال ابن كثير: وهذا هو الظاهر: لأن الله تعالي يقول:"فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها"[الشمس، الآية 14)
وقال:"وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها" [الإسراء، الآية 59)، وقال (فعقروا الناقة) [الأعراف، ألآية 17) فأسند ذلك إلي مجموع القبيلة فدل علي رضي جميعهم بذلك، والله أعلم.[2]
قال ابن كثير: ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة أن امرأة منهم، يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز، وتكني أم غنم كانت عجوزًا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح (عليه السلام) وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخري يُقال لها: صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا، ذات حسب وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدوف رجلا ً يقال له: الحباب وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبي عليها، فدعت ابن عم يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا، فأجابها إلي ذلك. ودعت عنيزه بنت غنم قدار بن سالف بن جُندع وكان رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنه ولد زني، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه ـ وهو سالف ـ وإنما هو من رجل يقال له: صهياد، ولكن ولد علي فراش سالف، وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت علي أن تعقر الناقة! فعند ذلك
(1) البداية والنهاية بتصرف (1/ 126 ) )
(2) تفسير ابن كثير (3/ 437 ) )