الثالث: أن ينظر إلي تمكين الله له وتخليته بينه وبينها وتقديرها عليه وانه لو شاء لعصمه منها فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وحلمه وكرمه وتوجد له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء والوعيد بأسمائه وصفاته وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود. وأن كل اسم وصفه مقتضي لأثره وموجبه متعلق به لابد منه، هذا المشهد بأسمائه يطلعه علي رياض موقفه من المعارف والإيمان وأسرار القدرة والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم.
فمنها: أن يعرف عزة الله في قضائه وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما شاء وأنه لكمال عزته حكم علي العبد وقضي عليه بأن قلب قلبه وصرف إرادته علي ما شاء وحال بين العبد وقلبه وجعله مريدا شائيا لما شاء فيه العزيز الحكيم وهذا من كمال العزة إذا لا يقدر علي ذلك إلا الله وغاية المخلوق أن يتصرف في بدنك وظاهرك وأما جعلك مريدا شائيا لما يشاء منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكن شهوده منه كان الاشتغال به عن ذل المعصيه أولي به"وانفع له لأنه يصير مع الله لا مع نفسه"
ومن معرفة عزته في قضائه: أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيرة لا عصمه له إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته فه ذليل حقير في قبضة عزيز حميد.
ومن شهود عزته أيضا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد والغناء التام والعزة كلها لله وأن العبد نفسه أولي بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة الله وكماله وحمده وغناه وكذلك بالعكس فنقص الذنب وذلته يطلعه علي مشهد العزة.
ومنها: أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ولو شاء لفضحه بين خلقه وهذا من كمال بره ومن أسمائه (البر) وهذا البر من سيده كان عن كمال غناه وكمال فقر العبد إليه فيشتغل بمطالعة هذه المنة ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقي مع الله سبحانه وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسني.
ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا بل في هذه الحال فإذا فقدها فليرجع إلي مطالعة الخطيئة وذكر الجناية ولكل وقت ومقام عبودية تليق به.