وكتب إليه المنصور: أما بعد أيها المجرم العاصي أنه لم يسخ لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركًا ولاغواهما راكبًا، تقتل قتل الفراعنة، وتبطش بطش الجبابرة، وتحكم بالجور حكم المفسدين، وتبذر المال وتضعه في غير مواضعه فعل المسرفين. ولما ادخلوه علي المنصور جعل يعاتبه في أشياء صدرت منه، فيعتذر عنها جيدًا، حتى قال له: فلم قتلت سليمان بن كثير، وإبراهيم بن ميمون، وفلانا وفلانا؟ قال: لأنهم عصوني وخالفوا أمري. فغضب عند ذلك المنصور وقال: ويحك! أنت تقتل إذا عُصيت، وأنا لا أقتلك وقد عصيتني؟ وصفقة بيديه وكانت الإشارة بينه وبين المرصدين لقتله، فتبادروا إليه ليقتلوه؛ فضربه أحدهم فقطع محامل سيفه، فقال يا أمير المؤمنين، استبقني لأعدائك. فقال: وأي عدو لي أعدي منك؟! ثم زجرهم المنصور، فقطعوه قطعًا، ثم القي في دجله.
ويروي أن المنصور لما قتله وقف عليه، فقال: رحمك الله أبا مسلم، بايعتنا فبايعناك، وعاهدتنا فعاهدناك، ووفيت لنا فوفينا لك، وإن بايعناك علي أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك وحكمنا عليك حكمك علي نفسك لنا.
ثم إن المنصور خطب في الناس بعد قتل أبي مسلم فقال: (يا أيها الناس، لا تنفروا أطيار النعم بترك الشكر، فتحل بكم النقم، وإن هذا الغمر أبا مسلم بايع علي أنه من نكث بيعنا وأظهر غشنا فقد أباحنا دمه، فنكث وغدر، وفجر وكفر، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه علي غيره لنا. وقال: فحكمنا فيه حكمه في غيره ممن شق العصا. [1]
أحمد بن أبي دؤاد الأيادي:
ــ المعتزلي قاض المعتصم، الذي جر البلاد إلي محنه خلق القرآن، وبسببه أهين علماء الأمة وعذبوا وقتلوا.
ــ هو الذي تكلم في عقيدة أهل السنة وشانها، وتكلم في أحمد بن حنبل وعاب معتقده.
يقول الحسين الكرابيس: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل، مثل قوم يجئيُون إلي أبي قبيس يريدون أن يهدموه بنعالهم. [2]
(1) البداية والنهاية (70 - 73) ، سير أعلام البنلاء (6/ 72)
(2) البداية والنهاية (10/ 335)