صلاة العشاء، فأركد في الاولين، وأخف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحق. فأرسل معه رجلا، أو رجالا، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفه، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، واطل فقره، وعرضه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن" (رواه البخاري) ."
-والأدلة على جواز الدعاء على الظالمين كثيرة بل أكثر من أن تُعَد، ولقد سبق أن ذكرنا أعلاه نماذج منها للمثال وليس للحصر.
-ثالث عشر: الخسران المبين في الركون إلى الظالمين: إن القرآن الكريم منهج إلهي متكامل ومتوازن وعادل، فلا يمكن أن يُعاقب على فعل أو ترك مما يُعتبر جريمة أو مُخالفة إلا بعد بيان الحق من الباطل والحلال من الحرام، ليكون الناس على بيِّنة من أمرهم ولتقوم عليهم الحجة البالغة والدامغة. ومن هذا الباب جاء التحذير الإلهي من مُوالاة الظالمين أو تقديم أي عون أو دعم لظلمهم وبغيهم في الأرض، مُنبها سبحانه وتعالى على العقوبة المترتبة على ذلك ليرتدع من يرتدع ويتوب من يتوب ويتراجع من يتراجع ولتقوم البينة على من تقوم، ولعل أوضح آية في هذا الباب قوله تعالى:"وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ {113} " (هود 113) .
-قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أعان ظالمًا ليدحض بباطله حقًا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله" (أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد) .
-وجاء في الأثر:"إذا كان يوم القيامة قيل: أين الظلمة وأعوانهم؟ أو قال: وأشباههم فيُجمعون في توابيت من نار ثم يقذف بهم في النار".
-أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون: أني مهلكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم، فقال: يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبى فكانوا يواكلوهم ويشاربوهم"."
-قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: الركون السكون إلى الشيء والميل إليه.
-وقال البغوي: هو المحبة والميل بالقلب.
فإذا كان الميل بالقلب للظالمين منهي عنه ومُحذر من شدة عقوبته، فمن المؤكد أن مساعدة الظالمين ومؤازرتهم وتقديم الدعم لهم داخلة في النهي من باب أولى.
-وقد نقل ابن كثير والقرطبي وغيره من المفسرين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر"الركون"بالميل إلى الذين ظلموا، أو الركون إلى الشرك، أو المُداهنة.
-وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم.
-وعن عكرمة: هو أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم.