الصفحة 151 من 156

-وبناءً على ما سبق قرر أهل العلم أن حقوق العباد لا تسقط بالتوبة، وكذلك لا تسقط حقوق العباد بالشهادة في سبيل الله عز وجل، قال الإمام النووي رحمه الله:"وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"إلا الدَّين"ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى" (شرح صحيح مسلم للنووي) .

-حادي عشر: هل يجوز الفرح بهلاك الظالمين؟ كثير من الناس يعتبرون أن الفرح بهلاك ظالم نوعًا من الشماتة وأن الميت إنما تجوز عليه الرحمة وأنه لا يجوز أن نذكره بسوء أو نشمت به أو نفرح لموته مهما كانت أفعاله في الدنيا ويحتجون في ذلك بحديث"اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم"وهذا الحديث قال عنه أبو عيسى الترمذي أنه (حديث غريب) وقال عنه الألباني (حديث ضعيف) .

-والحقيقة أن هناك خيط رفيع بين الشماتة في المسلم والفرح بهلاك ظالم أو طاغية أو فاسق أو مُتجبِّر، فلقد نُهينا عن الشماتة وأمرنا بالاستعاذة منها ولكننا لم ننهى عن الفرح بهلاك ظالم أو طاغية أو فاسق أو مُتجبِّر.

-قال تعالى:".... فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {150} " (الأعراف 150) . - روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تَعَوَّذُوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء".

-وقيل لأيوب عليه السلام: أي شيء من بلائك كان أشد عليك قال:"شماتة الأعداء".

-وقال: الكلبي:"لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم شمت به نساء كندة وحضرموت وخضبن أيديهن وأظهرن السرور لموته صلى الله عليه وسلم وضربن بالدف".

قال عبد الله بن أبي عتبة:"كل المصائب قد تمر على الفتى فتهون غير شماتة الأعداء".

-مما تقدم نفهم أنه لا شماتة في موت عبد من عباد الله الذين يرتكبون الحسنات والسيئات مثل باقي البشر، أما الطغاة والمتجبرون، الذين ملئوا الأرضَ ظلمًا وأذلّوا عباد الله واستباحوهم وجعلوا أيامهم على الأرض شقاءً وكدحًا، ونال أذاهم القاصي والداني، فالفرح في موتهم إنما هو في حقيقته تقرّب إلى الله تعالى بالاعتراف بقدرته جل شأنه على تحقيق وعِيْده بالقصاص من الظالمين.

-وأقول لمن يعترضون على إظهار الشماتة بالظالمين: أين أنتم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحال سلفنا الصالح من الفرح بهلاك الظالمين بل والسجود لله شكرًا على هلاكهم؟

-عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري قال: مُر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فقال: مُستريح ومُستراح منه. فقالوا: يا رسول ما المستراح وما المستراح منه؟ قال:"إن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب" (رواه البخاري) . في هذا الحديث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاجر حين يموت يكفي العباد شره ويريحهم من فجوره وغطرسته، بل حتى الشجر والدواب يستريحون منه. وفيه عظيم دلالة على أن هذه الراحة نعمة من نعم الله الجليلة التي لابد من شكرها وأول أبواب شكرها: الفرح بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت