الصفحة 150 من 156

شاء، أما أنا فلا أبيع ديني لأحد"، إنني أكره الشيوخ الذين يسترضون الرؤساء بالفتاوى الجهْلاء، إنهم يدورون في القاهرة وفي كل عاصمة بذممهم كما يدور سائقو سيارات الأجرة بعرباتهم، يتلفتون: هل من راكب؟ قبحهم الله وقبح من كلَّفهم، وقبل منهم."

-وأكتفي بهذه الأمثلة وأنا على يقين أن كل العصور فيها من الشخصيات الفذة التي تُناطح الجبال في شموخها ونبوغها ويقينها وحُسن إيمانها وظنها بالله عز وجل مما يجعل العالم بأسره يدين لهم إلى يومنا هذا. فالأمم على مدى التاريخ إذا أتوا يفاخروننا، فإننا نفاخرهم بمن هم أفذاذ الشجاعة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهر بكلمة الحق والأخذ على أيدي الظالمين دون أن يخافوا في الله لومة لائم.

-عاشرًا: هل للظالم من توبة؟ التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى من المعاصي والآثام إلى الطاعة، وعرَّفها الإمام الغزالي - رحمه الله - في الإحياء بأنها:"العلم بعظمة الذنوب، والندم والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي". وقال ابن القيم في مدارج السالكين:"التوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن الإقلاع عن الذنب في الحال، والندم عليه في الماضي، والعزم على عدم العود في المستقبل، تتضمن أيضًا العزم على فعل المأمور والتزامه، فحقيقة التوبة الرجوعُ إلى الله بالتزام فعل ما يحب وترك ما يكره، ولهذا علق سبحانه وتعالى الفلاح المطلق على التوبة حيث قال:".... وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {31} " (النور 31) ."

-وصح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع:"إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم" (رواه البخاري ومسلم) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كلُ المسلم على المسلم حرامٌ، دمه وعرضه وماله" (رواه الترمذي وابن ماجة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي) .

-وثبت في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين" (رواه مسلم) .

-وقال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره:"حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع مُنعقدٌ على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقد يكون للقاتل أعمالٌ صالحةٌ تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يَفضلُ له أجرٌ يدخل به الجنة، أو يعوض اللهُ المقتولَ من فضله بما يشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك".

-وقال القرطبي - رحمه الله - في تفسيره:"فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا بردِّه إلى صاحبه والخروج عنه - عينًا كان أو غيره - إن كان قادرًا عليه، فإن لم يكن قادرًا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه".

-وقال النووي - رحمه الله - في روضة الطالبين:"وإن كان حقًا للعباد كالقصاص وحد القذف فيأتي المستحقَ ويُمكنه من الاستيفاء، فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يُعلمه فيقول أنا الذي قتلت أباك ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص وإن شئت فاعف ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت