الصفحة 148 من 156

الرجل إلى العز بن عبدالسلام وقال له:"ليس بينك وبين أن تعود إلى منصبك وأعمالك وزيادة على ما كنت عليه إلا أن تأتي وتُقَبِّل يد السلطان لا غير"، فضحك العز بن عبدالسلام ضحكة الساخر وقال:"يا مسكين، والله ما أرضى أن يُقَبِّلَ الملك الصالح إسماعيل يدي، فضلًا عن أن أُقَبِّلَ يده؛ يا قومُ، أنا في وادٍ وأنتم في وادٍ آخر، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به"، قال:"إذًا نسجنك!"، فقال:"افعلوا ما بدا لكم"، فأخذوه وسجنوه في خيمة، فكان يقرأ فيها القرآن ويَتَعَبَّد ويذكر الله تعالى.

وفي إحدى المرات، كان الملك الصالح إسماعيل قد عقد اجتماعًا مع بعض زعماء النصارى الصليبيين، كان اجتماعهم قريبًا من العز بن عبدالسلام بحيث يسمعون قراءته للقرآن، فقال:"هل تسمعون هذا الذي يقرأ؟"، قالوا:"نعم"، فقال متفاخرًا:"هذا هو أكبر قساوسة المسلمين، سَجَنَّاه؛ لأنه اعترض علينا في محالفتنا لكم، وتسليمنا لكم بعض الحصون والقلاع، واتفاقنا معكم على قتال المصريين"، فقال له ملوك النصارى:"والله لو كان هذا القسيس عندنا، لغسلنا رجليه وشربنا مرقته!"؛ لو كان عندنا رجل بهذا الإخلاص للأمة وبهذه القوة وبهذه الشجاعة، لكُنَّا نغسل رجليه، ولشَرِبْنا الماء الذي غسلنا به رجليه؛ فأصيب الملك إسماعيل بالخيبة والذل، وكانت هذه بداية هزيمته وفشله، وجاءت جنود المصريين، وانتصرت عليه وعلى من كانوا متحالفين معه من الصليبيين، وأفرجت عن الإمام العز بن عبدالسلام.

• هذا موقف صرح فيه العز بن عبدالسلام رحمه الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على رؤوس المنابر، ورأى أن هذا الذي يسعه، مع أنه كان يستطيع غير ذلك، ولكنه رأى أن هذا هو الأسلوب المناسب، خاصة أن الصليبيين في تلك الوقعة دخلوا شوارع دمشق ومدنها، وتجوَّلوا في أسواقها ودكاكينها، وكانوا يشترون الأسلحة من المسلمين؛ ولذلك وُجِّه إليه الاستفتاء:"هل يجوز أن نبيع السلاح للنصارى؟"، فأفتى رحمه الله بأن بيع السلاح إليهم لا يجوز؛ لأن من يبيعهم السلاح يعلم أنهم سوف يُصوِّبون هذه الأسلحة إلى صدور المسلمين.

• لقد كان لهذا الإمام الجليل مواقف في مقاومة الظلم والظالمين في غاية العجب، وهذه المواقف العظيمة لولا أنها مُسَطَّرة في الكتب، لقلنا: إنها خيال من الخيال، لكنها مكتوبة، والذين كتبوها هم من العلماء الثقات الذين عاصروه وعاشروه وعاشوا معه.

2 -الشيخ"محمد أبو الأنوار"ورفضه للظلم: روى الجبرتي: أنه لما حضر حسن باشا الجزائري إلى مصر وخرج الأمراء المصريون إلى الجهة القبيلة واستباح أموالهم، وقبض على نسائهم وأولادهم، وأمر بإنزالهم لسوق المزاد لبيعهم زاعمًا أنهم أرقاء لبيت المال، اجتمع الأشياخ وذهبوا إليه وخاطبه الشيخ"محمد أبو الأنوار"قائلًا له: أنت أتيت إلى هذه البلاد وأرسلك السلطان لإقامة العدل ورفع الظلم كما تقول أو لبيع الأحرار وأمهات الأولاد وهتك الحريم؟ فقال: هؤلاء أرقاء لبيت المال فقال له: هذا الأمر لا يجوز ولم يقل به أحد؛ فاغتاظ غيظًا شديدًا وطلب دوانه وقال له: اكتب أسماء هؤلاء وأخبر السلطان بمعارضتهم لأوامره فقال له أحدهم: نحن نكتب أسماءنا بخطنا! فأفحم وانكف عن إتمام قصده وتتبُّع أموال الأمراء وودائعهم، وكان"إبراهيم بك"قد أودع عند"أبي الأنوار"وديعة فأرسل يطلبها فامتنع عن دفعها قائلًا: إن صاحبها على قيد الحياة فاشتد غيظ"الباشا"عليه وقصد البطش به فحماه الله منه ببركة الانتصار للحق فكان يقول: لم أر في جميع الممالك التي وليتها من اجترأ على مخالفتي مثل هذا الرجل فقد أحرق قلبي"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت