-ثامنًا: دعوة المظلوم وهلاك الظالمين: إن دعوة المظلوم سهم لا يُرد ولا يُخطئ، فيا بُؤس الظالم المخذول ينام ملء عينيه والمظلوم يدعو عليه، يجأر إلى الله أن ينتقم منه، وأن يُشتت شمله، ويُعَجِّل عِقابه، وينزل به بأسه، ويحل عليه سخطه، ويأخذه أخذ عزيز مُقتدر. إن دعوة المظلوم يستجيب الله تعالى لها ولو كان المظلوم فاجرًا فدعوته مُستجابة وفجوره على نفسه، ودعوة المظلوم تصعد إلى الله فما بالك بدعوة التقي الصالح أو العالم الرباني ومن بذل نفسه لله تعالى؟
1 -ورد في كتاب الكبائر للذهبي رحمه الله:"عن وهب بن منبه قال: بني جبار من الجبابرة قصرًا وشيَّده فجاءت عجوز فقيرة فبنت إلي جانبه كُوخًا تأوي إليه فركب الجبار يومًا وطاف حول القصر فرأي الكُوخ فقال: لمن هذا؟ فقيل لامرأة فقيرة تأوي إليه، فأمر به فهُدِم، فجاءت العجوز فرأته مهدومًا فقالت: من هدمه؟ فقيل: الملك رآه فهدمه، فرفعت العجوز رأسها إلي السماء وقالت: يارب إذا لم أكن أنا حاضرة فأين كنت أنت؟ قال: فأمر الله جبريل أن يقلب القصر علي من فيه فقلبه."
2 -حُكِي أن رجلًا من قتَلَة الحُسَين بن عليٍّ رضي الله عنه رمَى الحُسين بسهمٍ فقال الحُسين: يا هذا! ائتنِي بماءٍ أشربه، فلما رماهُ هذا الرجل حالَ بينَه وبين الماءِ، فقال الحُسَينُ: اللهم أظمِئْهُ، فرُئِي هذا الرامي وهو عند موته في الاحتِضار وهو يصيحُ من الحرِّ في بطنِهِ، ويصيحُ من البردِ في ظهره، فبين يدَيْه المراوِحُ والثلجُ وخلفَه المُصطلي - موقد التدفئة - وهو يقول: أسْقُوني أهلَكَني العطشُ، فيُؤتَى بإناءٍ عظيمٍ فيه السَّوِيْقُ - وهو الماء واللبن - لو شرِبَه خمسةٌ لكفاهم، فيشربَه جميعًا، ثم يعودُ فيقول: أسْقُوني أهلكَني العطشُ، ثم انقدَّ بطنُهُ - انشق - كانقِداد البَعير.
3 -جاء في كتاب"مروج الذهب"للمسعودي رحمه الله:"ومات الحجاج في سنة خمس وتسعين، وهو ابن أربع وخمسين له بواسط العراق، وكان تأمُّرُهُ على الناس عشرين سنة، وأحصى من قتله صبرًا سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفًا، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألف مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء وكان له غير ذلك من العذاب ما أتينا علي وصفه في الكتاب الأوسط."
وذكر أنه ركب يومًا يريد الجمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا، فقيل له: المحبوسون يضجون ويشكون ما هم فيه من البلاء، فالتفت، ناحيتهم وقال: اخسأوا فيها ولا تكلمون فيقال: إنه مات في تلك الجمعة، ولم يركب بعد تلك الركبة"أ ه."
-ومن أشهر ضحايا الحجاج"سعيد بن الجبير"الذي دعا الله علي الحجاج عند قتله له فقال:"اللهم لا تُسَلِّط الحجاج على أحد من بعدى."
-جاء في سير أعلام النبلاء:".... ولم يمض على مصرع سعيد غير خمسة عشر يومًا حتى أصيب الحجاج بالحمى الشديدة، واشتدت عليه وطأة المرض حتى كان يغفو ساعة ويفيق ساعة، فإذا أفاق استيقظ مذعورًا مهزومًا وهو يصيح ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير، ردوا عني سعيد بن جبير، وما بقي إلا أيامًا وهو في عذاب شديد حتى قصم الله ظهره، وأزال ذكره، وأحصى بطشه، وجعله عبرة للمعتبرين."