-سادسًا: العبرة من ذِكْر مصارع الظالمين: إن العاقل من اعتبر بغيره ولم يجعل نفسه عِبْرَة لغيره فإن الله عز وجل قد جعل من بعض خلقه الظالمين والجاحدين والغافلين عِبْرَة لغيرهم من الخلائق لينزجروا بهم كما قال الله تعالى:"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ {137} " (آل عمران 137) . والله تعالى عادة ما يختم أخبار هلاك الظالمين من الأمم المُكذِّبة لرسلهم بقوله تعالى:"إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، الألباب، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، يذكرون، يعقلون"لنعلم أن المراد من ذلك هو العظة والاعتبار.
-إن هذه السُّنَّة الربانية المتكررة عبر الأزمان - هلاك الظالمين - يحتاج إلى قراءتها وفهمها كل البشر في هذا العصر سواء أكانوا من الظالمين أم من المظلومين، فالظالمين يحتاجون إلى قراءتها وتدبرها وفهمها، لعلهم يرتدعوا عن ظلمهم ويرجعوا عن غيهم فيشكرون الله تعالى على ما مَنَّ به عليهم من القوة والسيادة في الأرض بإقامة العدل، ورفع الظلم، وعدم استغلال ضعف الضعفاء بالتسلط عليهم، ونهب ثرواتهم ومُقدراتهم، وتبديل دينهم وثقافتهم وهويتهم تحت مشاريع ومُسَمَّيَات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.
-وكذلك فإن المظلومين في أَمَس الحاجة إلى معرفة سُنَّة الله تعالى في هلاك الظالمين أيضًا لأن معرفتهم بعواقب المجرمين ومَصارع الظالمين تزيد الإيمان لانتقالها من علم اليقين إلى عين اليقين، تزيدهم إيمانًا بدينهم، ويقينًا إلى يقينهم، وثباتًا عليه مهما كانت التبعات والتضحيات. كما أن فيها تسلية لهم، وفتحًا لأبواب الفرج والنصر، وكلما زاد ظلم الظالمين، واستكبار المجرمين، وأصرَّوا على تغيير معالم الدين عَلِمَ المؤمنون أن هلاك الظالمين بات وشيكًا، وأن سُنَّة الله الماضية في الظلم وأهله قد أَزِفَ وقوعها؛ لتكون عذابًا على الظالمين، ورحمة ونجاة للمؤمنين، كما مضت سُنَّة الله تعالى في الظالمين السابقين الذين هلكوا في أوج قوتهم وسيادتهم، واستفحال ظلمهم وطغيانهم.
-سابعًا: الظالم يميته الله موتات: إن أحوال الظالمين ومَصَارِعَهُم تنبأنا بعاقبة كل من حاد عن طريق الله والصراط المستقيم وسبحان من عجَّل للظالمين العقوبة في الدنيا قبل الآخرة فالظلمَ يجعل صاحبه في حبس دائم، لا يسير إلا وحوله حرس مُدَجَّج بالسلاح، لا ينام ولا يصحو إلا وهو مُتخوِّف من المظلوم الذي يتربص به.
-قال تعالى:"وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا {104} " (النساء 104) .
-فالظالم وإن كان محصنًا في بروج مشيدة وحوله الجُند والخدم والحشم ومَنْ يمنعونه ويُزينون له الظلم الذي يمارسه، إلا أن الله تبارك وتعالى لا يمنعه من أخذه مانع، ولو كان الظالم في بُروجه المُشيدة.
-لقد أرانا الله تعالى مصارع الظالمين لتكون عِبْرة، أرانا ماذا فعل مع فرعون وهامان، وماذا فعل مع قارون، وماذا فعل مع النمرود، وماذا فعل مع سائر الظالمين. فكم من بيوت كانت تعُج بالظالمين فقطع الله دابرهم وماتوا شر ميتة فصارت ديارهم خرابًا من بعدهم، ونُكِّثت راياتهم، ودُمِّرت عروشهم، وبدَّد الله مُلكهم.
-قال تعالى:"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ {44} فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {45} " (الأنعام 44 - 45) .