الصفحة 15 من 167

عند الله جناح بعوضة، ولكن ميزان الآخرة ثقيل، فهي إذن حقيقة تستحق المنافسة الشريفة فيها والتسابق إليها.

وقد يقول قائل إنما أنا أسرق وأنهب لأجل أن أبني مشاريع الخير من مساجد ودور للأيتام والمساكين، وأتصدق في وجوه الخير .. إلى غير ذلك. نقول لمثل هؤلاء: الغاية لا تبرر الوسيلة، فجميع هذا المال حرام ولا يجوز أن يكون مشاريع خير، وإنما تصرفك هذا عن هوىً ووسيلة في الاستمرار في كسب الحرام والمنكر، وصدق الله عز وجل إذ يقول {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: 23) .

ففي هذه الآية يشير الله سبحانه إلى الهوى الذي يجعل منه بعضهم إلهًا يعبده، فيضل ضلالًا لا اهتداءً بعده والعياذ بالله. والقرآن يرسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت وتتبع الهوى المتقلب، وحين تتعبد هواها، وتخضع له، وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها، وتقيمه إلهًا قاهرًا لها، مستوليًا عليها، تتلقى أوامره بالطاعة والقبول والتسليم.

ولكن الصنف المبارك الذي يخاف الله ويتلقى أوامره منه، لا يقدم إلى معصيته ولا يتمرد على أوامره، هذا الصنف هو الممدوح من قبل رب العزة والجلال، وإلى هذا يقول تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: 40 و 41) .

إن الذي يكتسب المال الحرام، إنما يكتسبه عادة وهو يتلذذ به ويستسيغه، ويحسبه كسبًا له ولعياله من بعده، ولو أنه كان كريهًا له في وجدانه وإحساسه ما اكتسبه، ولو كان يحس أنه خسارة ما أقدم عليه. إن مثل هؤلاء قد انطمست في قلوبهم المنافذ التي يدخل منها النور الرباني، وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى الإلهي، وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعته للهوى طاعة العبادة والتسليم. وما كان عليه إلَّا أن يستسلم لطاعة خالقة وموجده، وأن يستسلم له سبحانه ويستغفره من كل ذنب ويلوذ إلى كنفه ويترك هواه لينال رضاه وجنته. فمن كان هذا سلاحه فلا يحيط به هواه ولا يملئ قلبه وعالمه ووجدانه ولا تغلق عليه منافذ التوبة والإنابة، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: 37 - 39) .

إن الله سبحانه وتعالى لم يكلف الإنسان أن يزيل عن نفسه الهوى، فهذا محال وفوق طاقته، ولكنه أمره أن ينهاها ويكبح جماحها ويمسك بزمامها، وأن يستعين في هذا بالخوف من مقام الله العظيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت