نشأ إمانويل كانط"1724 - 1804 م"في بيئة متدينة إذ كان والداه ينتميان إلى شيعة بروتستانتية تستمسك بالعقيدة اللوثرية، وتؤمن بأن موضع الدين الإرادة لا العقل، وأنه لابد من أن يؤيد الإيمان بواسطة الأعمال، وتنظر إلى المسيحية إلى أنها تقوى ومحبة لله بينما ترى في اللاهوت"علم الكلام المسيحي"تفسيرًا مصطنعًا أقحم على المسيحية، وقد تأثر كانط بهذه العقيدة في فلسفته، وقال في فلسفته"أردت أن أهدم العلم بما بعد الطبيعة لأقيم الإيمان" [1] .
وفي مذهبه الأخلاقي استبعد مذهب السعادة الشخصية، لأنه يرد الخير إلى اللذة والمنفعة، كما أنه يعجز عن استخراج قانون كلي ضروري من أنواع الحساسية الجزئية المتغيرة، ولا يضع تمييزًا بين بواعث الرذيلة، ولم يوافق أيضًا على مذهب العاطفة الأخلاقية مع اعترافه بالفضيلة أولًا وبالذات، ولكنه في الوقت نفسه استبدل بالمنفعة الحسية الرضا النفسي، ولجأ أنصاره إلى العاطفة ليأسهم من العقل"ولم يقدروا أن العاطفة متغيرة نسبية لا تصلح مقياسًا للخير والشر" [2] .
إنه مع تسليمه بأن الإنسان يسعى إلى بلوغ السعادة، إلا أن فكرة السعادة قد بلغت من عدم التجديد مبلغًا جعل كل إنسان يعجز عن التعبير عما يشتهيه بالرغم من رغبته في تحقيق السعادة لنفسه، ذلك لأن العناصر المختلفة للسعادة مستمدة من التجربة، ومن ثم فإنه من المستحيل على كائن متناه - وهو الإنسان - وإن ظن أنه أحكم المخلوقات وأشدها قوة أن يكون فكرة محددة عما يريده على وجه الدقة من وجوه على هذه الأرض، فإن أراد الثروة مثلًا فإنه سرعان ما يتعرض للحسد والدس والوقيعة، وإذا سعى إلى المزيد من المعرفة والبصيرة، فربما أدى ذلك إلى أن يزيد بصره نفاذًا إلى الشرور التي تتوارى عنه في حالته الراهنة، وإذا اشتهى عمرًا طويلًا، فمن يضمن له ألا يكون شقاء طويل الأجل؟ وكذلك في طلبه للصحة، فربما كان اعتلال الجسد عاصمًا من إفراط كان سببًا في وهن الصحة الكاملة"إنه على الجملة عاجز عن أن يحدد بيقين"
(1) تاريخ الفلسفة الحديثة: يوسف كرم ص 209.
(2) نفسه ص 247.