ونرى أنه لا خلاص من هذا الغموض والخلط إلا بتحديد أكثر دقة لأجهزة الإدراك الإنساني أولًا، ثم بيان الأوامر والنواهي التي تضبط السلوك الأخلاقي على وجه الدقة، أي تعرفه بما هو"حلال"وما هو"حرام"ثانيًا.
ولا يتحقق ذلك إلا في دائرة اجتهادات علماء الإسلام الذين برعوا في الغوص في أعماق النفس البشرية وحذروا من آفاتها، وهذا ما لم يتوفر لغيرهم.
ولكي يتضح لنا صحة ما ذهبنا إليه، سنلقي نظرة خاطفة على ثمرة اجتهادات أحد علماء المسلمين في مجال علم النفس الأخلاقي.
وقبل الخوض فيما نحن بصدده، سنضع أمام القارئ وصفًا موجزًا لمذهب بطلر ورد في"الموسوعة الفلسفية المختصرة"حيث قال كاتبها:
"لعل أجدر سمات فكره الأخلاقي بالبقاء هي ذلك العدد الكبير من التحليلات البارعة التي يتألف منها مذهبه في علم النفس الأخلاقي" [1] .
إن من كتب هذا الكلام لم يطلع على تحليلات علماء المسلمين الأخلاقيين فيما سماه"بعلم النفس الأخلاقي"إذ نفخر بأن لدينا تراثًا ضخمًا يحتاج إلى مجموعات من الباحثين لقراءته وتصنيفه واستخلاص كل ما هو بديع وأصيل ومفيد للإنسان مهما كان زمنه وعصره.
إن مجرد الاطلاع على آراء عالم واحد من علمائنا - كما سيأتي - يكفي لفتح نافذة صغيرة على هذا التراث الثري الذي يعد كنزًا لم نعرف بعد كيف نستفيد منه ونوظفه في حياتنا الأخلاقية ارتقاء إلى المستوى الإسلامى المنشود، وإلى القارئ الشواهد على ما نقول:
أولًا: اتضح لنا غموض تعريف الضمير.
(1) الموسوعة الفلسفية المختصرة ص 84 مكتبة الأنجلو المصرية: ترجمة فؤاد كامل. جلال عشري، عبد الرشيد صادق ومراجعة د. زكي نجيب محمود (الألف كتاب 481) .