على المحتاجين يسعده ما أنفقه عليهم أكثر مما يسعده ما أنفقه على نفسه، كما أن انتقام المرء لنفسه قد يضر أحيانًا بصاحبه كما يضر بالمجني عليه، وهنا نرى الأثرة والإيثار يتعانقان ويتشابكان، مما جعل من العسير رد الأفعال الإنسانية إلى واحد منهما بعينه ويؤكد بطلر أن لفت الإيثار في نفوس الناس بحيث يتوخون خدمة غيرهم يسعد العالم الذي تشقيه الأنانية. وما يقال في الأفراد ينسحب على الشعوب، فإن كثيرًا منها حيث يلتمس سعادته وينشد رفاهيته يسيء إلى جيرانه ويوقع الضرر بمصالحهم، وإذا صح هذا جاز القول بأن السعادة والفضيلة كثيرًا ما تلتقيان [1] .
وكان بطلر رجل دين يؤمن بالنصرانية وتعاليمها، ومن هنا كانت معارضته أيضًا لنزعات الإلحاد والشك، رغبة منه في توكيد تعاليم الدين، وظهرت فلسفته الخلقية في مواعظه حيث شغل وظيفة أسقف. ومع أنه حاول أن يفلسف الأخلاق ويقيمها على أسس سيكولوجية، إلا أنه كان متأثرًا باللاهوت في مظاهر ثلاثة:
أولًا: أن العالم من صنع إله معني بمخلوقاته والطيعة البشرية تنزع إلى تحقيق الغاية التي هيئت لها.
ثانيًا: أن أوامر الضمير هو صوت الله، وأنها تمثل قوانين العدالة الإلهية فجعل بذلك الأخلاقية استجابة لصوت الله.
ثالثًا: أن الحياة الأخرى كفيلة بمعالجة النقص البادي في حياتنا الحاضرة [2] .
ولكن ما دور الضمير في حياتنا؟ هذا ما سيتضح إذا ما عرفنا الصلة بين الطبيعة البشرية والضمير.
الطبيعة البشرية والضمير:
(1) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 119.
(2) نفسه ص 193، 194، 195.