الصفحة 82 من 253

أما النظرة الروحية أو الدينية التي تخيل كونت أنها في أول المراحل، فهي في الواقع تأتي في آخرها حيث لا تولد في النفس إلا بعد اتساع أفقها، حيث تتجاوز ظهر الكون إلى ما ورائه.

وهكذا ينقلب ترتيب كونت الخيالي رأسًا على عقب، لأن الأوضاع الطبيعية للحاجات النفسية تترتب كالآتي - حاجة الحس فحاجة العقل فحاجة الروح"على أن الذي يعنينا هنا ليس هو الوضع التقويمى لكل واحدة من هذه النزعات، وإنما هو دخولها جميعًا في كيان النفس الإنسانية، فكما أننا لا نجد أمارة واحدة تدل على قرب زوال النزعة الاستقرائية أو النزعة التعليلية، كذلك لا نرى أمارة واحدة تشير إلى أن فكرة التدين ستزول عن الأرض قبل أن يزول الإنسان" [1] .

2 -إميل دوركايم (1858 - 1917 م)

تابع دوركاريم أوجست كونت في فلسفته الوضعية، وجعل علم اللاجتماع محور دراساته مستهدفًا إقامة الاجتماع علمًا واقعيًا مستقلًا، فالظاهرة الاجتماعية تؤثر في الفرد وتوجه سلوكه على غير إرادة منه، بل لا يمكنه مقاومة تأثيرها، وهي تخضع لقوانين علمية كالظواهر الطبيعية، وتنشأ بنشأة المجتمع؛ لأنها من صنع العقل الجمعي ولها صفة الإلزام، كما أنها تفرض نفسها على الأفراد.

وفي إقامة دوركايم للمذهب الأخلاقي، جعل القيم الأخلاقية ومثلها العليا كالظواهر الاجتماعية، فهى وليدة المجتمع الناشئة عن اجتماع الناس بعضهم ببعض ودور علم الأخلاق هو دراستها كما هي بالفعل مرتبطة بالزمان والمكان.

وإذا ما اصطدمت الواجبات الاجتماعية بعواطف الفرد، فإنه كثيرًا ما يتغاضى عن مشاعره الخاصة ويخضع للمثل الاجتماعية العليا، أما إذا لقرد على قيم المجتمع فإنه يتعرض للسخط والعقوبة، وللعقوبة مظهران: إحداهما مادية هو القوانين الوضعية، والثانية أدبية تتمثل في سلطة

(1) الدين: د. محمد عبد الله دراز ص 89. دار القلم- الكويت 1930 هـ- 1970 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت