ويتضح تأثره بأتباع المدرسة الإسكتلندية في الاتجاه العاطفي، إلا أنه يذهب إلى أنهم اكتفوا بتقرير وجود هذه العواطف، وأهملوا البحث عن الكيفية التي تنمو بها الأخلاق، فالأخلاق عندهم ذات طابع سطحي وتنقصها الدقة المنهجية، ولكي تفسر الأخلاق الإنسانية تفسيرًا كاملًا ينبغي أن يضاف"إلى العناصر ذات الصبغة العاطفية عنصرًا ذا صفة عقلية" [1] . معنى ذلك أن الحاسة الخلقية تنشأ بسبب عواطف المودة بين الناس، وكما يحدث أيضًا لدى كثير من الحيوانات، فهي عواطف تلقائية تتحول إلى حالات وجدانية عائلية واجتماعية. فالأخلاق غريزية طبقًا لجذورها الحيوانية وتصبح عقلية في تطورها الإنساني [2] .
وقد تعرضت فلسفة كونت الوضعية لألوان من النقد والمعارضة استهدفت قانون الأطوار الثلاثة الذي قسم به تاريخ الإنسانية في تعسف واضح، قد ثبت أن الصناعات اخترعت في عصر ما قبل التاريخ وبدء العصر التاريخي، كما وجدت مشاهد فلكية وأنواع من العلوم كهندسة إقليدس، وطب أبقراط، وطبيعيات أرسطو في الدور الذي عده دورًا فلسفيًا، فإذا انتقلنا إلى الطور الوضعي وهو العصر الحديث فإننا نعثر على كثير من دعاة الأخلاق والدين والتأمل الميتافيزيقي بخلاف ما كان يظن كونت [3] .
فالحالات الثلاث لا لقتل أدوارًا متعاقبة؛ بل تيارات متعاصرة، بل إنها متعاصرة متجاورة في النفس الفردية، فقد تفسر الحوادث العادية بأسبابها، ومنا من يفسر الأحداث الخارقة بالقضاء والقدر أو سبب غيبي مجهول. ويذهب الأستاذ الدكتور دراز إلى أبعد من هذا فيقرر أن النظرة الوقوعية تقع في البداية وتمثل مرحلة الطفولة النفسية؛ لأن مبعثها الحاجة العاجلة وضرورة الحياة اليومية، وأنها وظيفة الحس لا العقل. ثم تنبثق بعدها نظرة التعليل بالمعاني العامة، وهي مرحلة النضج والكمال.
(1) نفسه ص 309.
(2) نفسه ص 310.
(3) أسس الفلسفة: د. توفيق الطويل ص 180 - 181 مكتبة النهضة المصرية 1955 م.