سنجد الإجابة على هذا السؤال عند دراستنا لأفكار شيوخ المسلمين، ذلك أن الذين تمتلكهم مشاعر سامية وحب إلهي لا يجدون في تعاليم أرسطو الأخلاقية زادًا [1] ، وهذا ما تحقق منه شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عارض النتاج العقلي للفلسفة اليونانية بكل ما أوتي من ثقافة إسلامية عميقة، ودراسة شاملة لكافة جوانب الفكر الإغريقي، مع إحاطة واعية بمعافي الكتاب والسنة، إنه يقرر أن الله سبحانه أمر بالتفكر والتدبر والنظر - أي استخدام العقل كوسيلة للمعرفة والاستدلال إنه لم يعارض الفلسفة بذاتها كلون من ألوان التفكير أو النظر العقلي، ولكنه وقف بصلابة معارضًا لكافة التصورات الفلسفية الإغريقية التي تسربت لفلاسفة المسلمين لأنها لا تتفق مع الحقائق التي يمدنا بها الكتاب وتوضحها لنا السنة في أحسن بيان وأكمله.
وفي موضوع الأخلاق، اتخذ نفس الموقف العدائي من الفكر اليوناني، فنراه مثلًا يوجه سهام نقده إلى رأي فلاسفتهم في النفس فهي عندهم تشتمل على شهوة أو غضب من حيث القوة العملية، ولها نظر من حيث القوة العلمية، ورأوا في الوسط هو الكمال دون أن يعرفوا محبة الله وتوحيده - وهو هنا يعني أرسطو بصفة خاصة، بعبارة أخرى كانت نظرياتهم لا تتصل بالتوحيد والإيمان بالله الذي به المسلمون عليه العقيدة والأخلاق، فإن محبة الله وتوحيده هو الغاية التي تؤدي إلى صلاح النفس حيث تتحقق الصلاحية بعبادة الله تعالى وحده [2] ، كما لا تتم زكاة النفس إلا بالتوحيد وإخلاص العبودية لله عز وجل وحده، وهذا معنى قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7] ، فابن تيمية لا يفسر معه الزكاة هنا بزكاة الأموال وهي النصاب المحدد الذي يجب إخراجه عن الأموال التي مضى عليها
(1) الفلسفة العامة: د. كمال جعفر ص 199 - 200.
(2) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ابن تيمية ج 4 ص 105 ط الكردي 1323 هـ/1905 م.