وإذا تساءلنا عن كيفية تحديد الفضائل الخلقية عند أرسطو؟ لعثرنا على إجابته عندما يتحدث عن أفعال الإنسان وضرورة الأخذ بفكرة الوسط، فكما أن كثرة الأطعمة تفسد الصحة فكذلك قلتها عن الحد اللازم، فالأمر كذلك بالنسبة للفضائل الإنسانية كالعفة والشجاعة وغيرهما"إن الإنسان الذي يخشى كل شيء ويفر من كل شيء ولا يستطيع أن يحتمل شيئا هو جبان، والذي لا يخشى البتة شيئًا ويقتحم جميع الأخطار هو متهور. كذلك الذي يتمتع بجميع اللذات ولا يحرم نفسه واحد منها هو فاجر. وهذا الذي يتقيها جميعًا بلا استثناء كالمتوحشين سكان الحقول هو بنوع ما كائن عديم الحساسية، وذلك بأن العفة والشجاعة تنعدمان على السواء إما بالإفراط وإما بالتفريط، ولا تبقيان إلا بالتوسط [1] ."
الفضيلة إذن هي وسط بين طرفين كلاهما رذيلة، ولكن هذا الوسط الذي يعنيه أرسطو هو وسط اعتباري، يتغير بتغير الأفراد والظروف التي تحيط بهم، والعقل وحده هو الذي يعين هذا الوسط. ولكن الفضيلة لامست غاية لسلوك الإنسان، وإنما هي وسيلة لغاية هي السعادة، ولذا فإن الفضائل إرادية [2] ، فهو يقول"حينئذ الفضيلة بلا أدنى شك تتعلق بنا، وكذلك الرذيلة تتعلق بنا أيضًا وإذا كان إتيان الفعل الصالح يتعلق بنا فإنه يتعلق بنا أيضًا ترك الفعل المخجل" [3] .
ويقتضي ذلك أن يحقق الفاعل في نفسه شرطين بالإضافة إلى العلم هما: استقامة النية والمثابرة، ومن ثم يصبح الفعل صادرًا عن ملكة ثابتة"ومن يتوهم أن المثابرة غير لازمة للحصول على الكمال مثله مثل المريض الذي يريد الشفاء ولا يستعمل وسائله".
هذا بإيجاز بعض معالم المذهب الأرسطوطاليسي في الأخلاق، الذي لم يسلم من بعض المآخذ التي وجهت إليه - لا سيما في فكرة الوسط - فإن هذا الضابط لا يصلح لكل الفضائل، فإن
(1) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 58 - 59.
(2) الأخلاق: أرسطو ص 289.
(3) يوسف كريم: ص 189.