والفضيلة تكون حيث تؤدي قوى الإنسان وظيفتها. ولما كان الإنسان يجمع بين الشهوة والعقل، فإن الفضائل صنفان، أحدهما يتمثل في التغذي والحق، والثاني يتمثل في حياة التأمل العقلي، ومن ثم تصبح فضيلة الصنف الأول في السيطرة على الشهوات والأهواء بواسطة العقل، وفضيلة الصنف الثاني في حياة التأمل وهي أسمى من الأول بكثير، والسعادة بصفة عامة تجمع بين هذين الصنفين [1] .
ومن نظرته إلى هذه الثنائية في الإنسان، أي الشهوة والعقل، فإن الفضائل نوعان أحدهما عقلي والآخر أخلاقي (فالفضيلة العقلية تكاد تنتج دائمًا من تعليم، وإليه يسند أصلها ونموها، ومن هنا يجيء أن بها حاجة إلى التجربة والزمان. وأما الفضيلة الأخلاقية فإنها تتولد على الأخص من العادة والشيم، ومن كلمة الشيم عينها بتغيير خفيف اتخذ الأدب اسمه المسمى به) [2] .
فليست الفضيلة طبيعية إذن، ولكن الشيعي فينا قوى واستعدادات"فالفضائل ليست فينا بفعل الطبع وحده، وليست فينا كذلك ضد إرادة الطبع، ولكن الطبع قد جعلنا قابلين لها، وأن العادة لتنميها وتتمها فينا" [3] ، ومن هذه العبارة ندرك أهمية التربية عند أرسطو، فالفضيلة تتعلم كما يتعلم أي فن"بإتيان أفعال مطابقة لكمال ذلك الفن. وتفقد بإتيان أفعال مضادة. والأفعال المطابقة تخلق ملكات أو قوى فعلية تجعلنا أقدر على إتيانها" [4] . معنى ذلك بلغة أرسطو أننا لا نكتسب الفضائل إلا بعد ممارستنا لها، شأنها في ذلك شأن الفنون جميعها التي لا نتعلمها إلا بممارستها فالإنسان يصبح معماريًا بأن يبنى، وموسيقيًا بممارسة الموسيقى، ويصبح عادلًا بإقامة العدل، وحكيمًا بمزاولة الحكمة، وشجاعًا باستعمال الشجاعة [5] .
(1) كتاب الأخلاق: أرسطو ص 225.
(2) الأخلاق: أرسطو ص 226.
(3) تاريخ الفلسفة اليونانية: يوسف كرم ص 188.
(4) الأخلاق: أرسطو ص 227.
(5) نفسه ص 331.