[الإسراء: 18] فمن يريد الدار العاجلة وقصر همه عليها دون النظر إلى ثواب أو عقاب بعدها، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان، فإنه يصبح مطرودًا من الرحمة في الآخرة ومصيره إلى النار [1] .
والقسم الثاني من الخلق قصد بعمله الآخرة كما قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] والآية توضح شروط قبول عمله للآخرة وهو أن يقصد بعمله ثواب الآخرة قصدًا مخلصًا، ويمتثل أوامر ربه ونواهيه، كما ينبغي أن يكون مؤمنًا موقنًا بثواب الله تعالى وعظيم جزائه (وإذا اختل واحد منهما فليس العمل بمتقبل ولا بمثاب عليه بضرورة انعدام المشروط بانعدام شرطه) [2] .
وإذا أمعنا النظر في تقسيم الإمام للعباد من حيث طلب الدنيا وطلب الآخرة لرأينا أن الإمام يجعل الأخذ بالأسباب هو الأساس سواء في العمل ابتغاء السعادة في الدنيا أو لطلبها في دار البقاء والخلود، إن هذه النزعة واضحة في كتاباته كلها، فهو يثبت للإنسان حرية الاختيار ويشيد بالعقل الإنساني الذي يمتاز بقوة التحليل والتركيب والتطبيق فتغلب بذلك على عناصر الطبيعة واستعمل الحيوان والجماد في مصلحته، والتمييز بين الخير والشر [3] ، وقد وضع الدين للإنسان قوانين ثابتة للخير والشر موضحًا أن الخير ما نفع وأن الشر ما ضر [4] .
ولكنه وإن أوتي قوة التمييز لم يؤت قوة الاستعصام امتحانًا وابتلاء من الله، واستمد نظرية الامتحان والاختبار من معنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] ، فالفتنة في هذه الآية تعنى الابتلاء والامتحان والاختبار، فجعل الله الرسل بشرًا يأكلون ويتكسبون لامتحان العباد في الاقتداء بالرسل من حيث الصبر على الجهد
(1) التفسير ج 1 ص 200.
(2) نفسه ص 203.
(3) نفسه ج 2 ص 22.
(4) نفسه ج 2 ص 112.