تعالى إليه في قوله: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ، وإذا ما اتصلت بالجسد قد ترقى بالتزكية فترتفع إلى معارج الكمال، أو تنحط إلى أسفل سافلين (وبعد ارتباطها بالبدن يتكون منهما المخلوق العظيم العجيب المسمى بالإنسان، الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض ليعمرها ويستثمرها) [1] .
ويعيش الإنسان في الدار الدنيا الموضوعة على المحنة والابتلاء فينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات، وحياته من البداية إلى النهاية مبنية على الإرادة والفكر والعمل، وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] فيخرج الإمام ابن باديس من هذه الآية بأن الإنسان يستفيد مما خلقه الله له وجعله لأجله. والتذكر يتم بالتفكر والشكر يتم بالعمل. ولكن هذه الأركان تعتمد على ثلاثة أخرى هي البدن اللازم للعمل، والعقل للتفكر، والإرادة التي تتوقف على الخلق. فالتفكير الصحيح يرتبط بالعقل الصحيح، والإرادة القوية ناجمة عن الخلق المتين، والعمل المفيد يؤديه البدن السليم (فلهذا كان الإنسان مأمورًا بالمحافظة على هذه الثلاثة عقله وخلقه وبدنه، ودفع المضار عنها، فيثقف عقله بالعلم ويقوم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوي بدنه بتنطم الغذاء وتوقي الأذى والتريض على العمل) [2] .
وتفسيرًا لإحدى الآيات القرآنية، يصور لنا الإمام حركة المسلم في حياته، فإن كل فرد من أفراد بنى الإنسان لا ينفك في كل ساعة بل كل لحظة من لحظات عمره عن المداخل باعتبار دخوله فيها مما قبلها، والمخارج لخروجه منها إلى غيرها، فعليه إذن أن يقضيها صادق العقيدة صادق القول، صادق السلوك فتصبح بذلك مدخل صدق ومخرج صدق، والعكس إذا قضاها بسوء في النية والقول والعمل فهي مدخل كذب وفجور ومخرج كذب وفجور، فالإنسان محتاج في كل لحظة من حياته لتوفيق الله وتأييده وحفظه وإمداده فجاء هذا الدعاء القرآني منبهًا على
(1) التفسير ج 1 ص 252.
(2) نفسه ج 1 ص 434.