طريق الاختبار والابتلاء (لينال الإنسان ما يستحقه على حسن تصرفه أو سوء تصرفه من عادل الجزاء، بعد خروجه من دار الفناء إلى دار البقاء) [1] .
وخلق الإنسان من روح وبدن يقتضي أن يبقى على بدنه بالغذاء وأمر الله أن يكون المأكل من الطيبات لتغذيه ولا تؤذيه بخلاف الخبائث التي يكثر فيها الأذى ويقل بها الغذاء، وأمر أيضًا بالعمل الصالح الذي تزكو به نفسه. وليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أباح أكلها كما يفعل غلاة الصوفية، وقد نهى الإسلام أيضًا عن تعذيب البدن كما يفعل صوفية الهنادك ومن قلدهم من المنتسبين للإسلام، فالغذاء الطيب له أثره على القلب والبدن فتصلح الأعمال (كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن فتفسد الأعمال) [2] .
وإذا كان الأمر كذلك، فالحياة حياتان - حياة الروح وحياة البدن - وحياة الروح وحريتها هما أصل حياة البدن وحريته، وإذا شرع الله الصوم لتحصيل حرية الروح ليترك المؤمن طعامه وشرابه وشهوات بدنه لتحرير روحه من سلطة المادة والشهوة ويرتفع بها إلى عالم علوي من الطهر والكمال [3] .
لقد كرم الله سبحانه النوع الإنساني بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
والأرواح الإنسانية كريمة الجوهر لأنها من عالم النور، لأن نفخ الروح يتم بواسطة الملك والملائكة - خلقوا من النور - وقد ورد في الحديث الصحيح (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ... إلخ) إن الروح كريمة الخلقة أيضًا لأنها فطرت على الكمال إذ أضافها الله
(1) نفسه ص 177.
(2) نفسه ج 1 ص 365.
(3) نفسه ج 1 ص 481.