ويرى أن هذا الكمال اللإنساني يتوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل (فهى أسس الخلق الكريم والسلوك الحميد اللذين ينهض بهما بجلائل الأعمال ويبلغ بهما أسمى غايات الشرف والكمال) [1] .
إن قوة العلم وقوة العمل من الأسباب التى ينبغي الأخذ بها نحن معشر المسلمين - كما يذكر الإمام ابن باديس - لنكون أهلًا للدفاع عن الحق وحزبه، مقيمين لسلطان الله في أرضه بالحق والعدل والإحسان، معتمدين مع تحصيل تلك الأسباب على الله وحده ومنتظرين منه الفرج والتيسير) [2] . وهنا يتضح لنا إيمان هذا العالم المسلم الكبير بحرية إرادة اللإنسان ومحاربته لدعوى الجبر والتواكل التى سادت في عصره على لسان الصوفية.
وكان إمامنا - رحمه الله - معبرًا عن التقاء الفكر بالعمل في سلوكه وأخلاقه، وها هو يعلن في الكلمة التى ألقاها بمناسبة ختم القرآن، (أنا زارع محبة، ولكن على أساس من العدل والإنصاف والاحترام مع كل أحد من أي جنس كان ومن أي دين كان) [3] .
لم يخلق الإنسان للأرض:
يقول اللإمام ابن باديس (لم يخلق الإنسان للأرض وإن خلق منها، وإنما خلق للسماء وللملأ الأعلى) [4] ، فماذا يعنى بهذه العبارة، وما مغزاها في مجال الحياة الأخلاقية للإنسان؟
إذا تأملنا نظريته المستخرجة من القرآن الكريم عن الإنسان منذ بدء الخلق فإننا نستطيع أن ندرك ما تنطوي عليه هذه العبارة من مغزى أخلاقي، إذ أنه ينبغي على الإنسان أن يسعى لطلب السعادة التامة في الآخرة، وأن يجعل الغاية النهائية لحياته هو اختيار الباقية على الفانية، فالدنيا
(1) نفسه ج 2 ص 209.
(2) نفسه ج 1 ص 323.
(3) التفسير، ج 2 ص 144 وكان الاحتفال يوم 13 ربيع الثاني 1357 هـ- 1938 م.
(4) التفسير ج 2 ص 177.