أن يكون مراد النفس الذي تكمل بإرادته وحبه وإيثاره باقيًا لا يفنى ولا يزول، وليس ذلك إلا لله وحده، أي العمل ابتغاء مرضاته عز وجل [1] .
ولكن كيف نستطع اكتساب الأخلاق الحسنة ونبذ الأخلاق الرديئة؟ هذا ما يوضحه ابن القيم أثناء حديثه عن خلق الصبر وبيان مكانته في الجهد الخلقي والكفاح المستمر لتقوية الإرادة الخيرة وإضعاف الإرادة الشريرة.
مكانة الصبر في الجهد الخلقي:
مر بنا أن ابن القيم يرى أنه يمكن اكتساب الخلق، فبالرغم من ظروف البيئة وفساد الطباع وعوامل الوراثة والأخلاق الرديئة، فإن الراغب في الرقي الأخلاقي يستطع تزكية نفسه وتقويم خلقه بالعزيمة الصادقة والمثابرة المصممة على الفوز بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشادتى، كالعلم والشجاعة والزهد والعفو والحلم والمروءة والإحسان والصبر.
ويعرف ابن القيم الصبر تعريفًا دقيقًا في مجال الأخلاق يربط فيه بين الرغبات النفسية والإرادة فيقول:"والصبر حبس النفس عن السخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن المصيبة" [2] .
وتحقيق ذلك أن الإنسان بين أمر يجب امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، ولكن الصبر لازم له، وهو بمثابة عاصم للنفس من التمادي في الشعور النفسي المقبض كالجزع والحزن والخوف واليأس، أو التمادي في الشعور النفسي المضاد أي الفرح والزهو والبطر، كذلك فإنه ضابط للإرادة، ممسك لها عن إتيان الآثام والفواحش فالصبر كالخطام والزمام للنفس ذلك لأن الصبر لا يخلو من نوعين:
(1) مفتاح دار السعادة ج 2 ص 121 - 122.
(2) الوابل الصيب من الكلم الطيب ص 2 المنيرية 1378 هـ.