الصفحة 169 من 253

وعبادة الرب والاتصاف بالأخلاق الشريفة كالصدق والوفاء وغيرها، وذلك لأن حكمة الله عز وجل اقتضت أن يرشح الإنسان لعبادته وخلافته وعمارة أرضه وهيأه أيضا لمجاورته في جنته فلو خلق كالحيوانات لما صلح للمجاورة بالجنة، ولو خلق كالملائكة لما صلح لتعمير الأرض"فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجمع له القوتان وفي اعتبار هذه الجملة تنبيه على أن الإنسان دنيوي أخروي وأنه لم يخلق عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] [1] ."

أما بالنظر إلى البشر في مدى اختلافهم فإنه يرى أن التفاوت بينهم يظهر للأسباب الآتية:

أولًا: اختلاف الخلقة، مستخرجًا هذا المعنى من قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] ، والآية الأخرى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6] ، ويستشهد بما روي عن واقعة أصل الخلق"إن الله تعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام أمر أن يؤخذ من كل أرض قبضة فجاء بنو آدم على قدر طينها الأحمر والأبيض والأسود والسهل والحزن والطيب والخبيث" [2] .

ثانيًا: اختلاف طبائع الوالدين وتأثير عوامل الوراثة، ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (( تخيروا لنطفكم ) ) [3] .

ثالثًا: اختلاف الوالدين من حيث الصلاح والفساد؛ إذ أن الطفل بحكم نشأته بينهما ومخالطته لهما قد يتأثر بما هما عليه من جميل السيرة والخلق وقبيحها.

رابعًا: أثر الغذاء من حيث الرضاع وطيب المطعم، وبسبب هذا التأثير تصف العرب صاحب الفضل بقولها"لله دره" [4] .

(1) الذريعة، ص 22.

(2) تفصيل النشأتين: الراغب الأصفهاني، ص 19، 20.

(3) نفسه ص 30.

(4) نفسه ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت