أما الآية الثانية فقد فسرها ابن عباس بأن الماء يعنى به القرآن لأن به طهارة النفس والأودية هي القلوب التي احتملته بحسب ما وسعته [1] .
والذي يلزم تطهيره من النفس القوى الثلاث: قوة الفكر بتهذيبها حتى تحصل الحكمة والعلم - والحكمة هى أشرف منزلة من العلم [2] لأنها العلم والعمل به. ولهذا وصف الله تعالى الذين ليس لهم علم صحيح ولا عمل على الطريق المستقيم بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] . فالعقل يقال بالإضافة إلى المعرفة، والاهتداء بالإضافة إلى العمل [3] .
وتهذيب قوة الشهوة بقمعها لكي تكتسب العفة والجود، ويتم إخضاع قوة الحمية باستيلاء العقل عليها حتى تنقاد له فيحصل الشجاعة والحلم"فيتولد من اجتماع ذلك العدل" [4] .
الطريق ممهد إذن للإنسان لتطهير نفسه ورياضتها، وتقويم أخلاقه والارتقاء بها إلى ما يمكنه بحيث يصل بها إلى أرقى المستويات، لأن الإنسان هو مختار، والأدلة على ذلك تلزمنا بإيضاح وتحليل العوامل المؤثرة في الإرادة إذ يخيل للبعض أنه"مجبر"ولكن الحقيقة غير ذلك. وإليك البيان.
2 -الإنسان مختار:
يقسم الأصفهاني الأحياء إلى ثلاثة أنواع، نوع للدار الدنيا وهي الحيوانات، ونوع للدار الآخرة والملأ الأعلى"أي الملائكة"، والإنسان بين هذين النوعين يصلح للدارين لأنه واسطة بين اثنين أحدهما وضيع وهو الحيوانات والثاني رفيع وهو الملائكة، فهو كالحيوانات من حيث الشهوة البدنية والغذاء والتناسل والمنازعة وغيرها من صفات الحيوانات، وكالملائكة في العقل والعلم
(1) نفسه ص 22.
(2) تفسير القاسمي ج 2، ص 260 - محمد جمال الدين القاسمي، تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي، ط عيسى البابي الحلبي، 1376 هـ- 1957 م.
(3) نفسه، ج 3، ص 374.
(4) نفسه ص 30.