وهكذا فإن الراغب الأصفهاني يضع مستويات أخلاقية لأعمال الإنسان، فالعدل فعل ما يجب والتفضل الزيادة على ما يجب.
كذلك لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر النفس، فكما أن للبدن نجاسة فكذلك للنفس نجاسة، الأولى تدرك بالبصر والثانية تدرك بالبصيرة، وإياها قصد تعالى بقوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] ولقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] كما أشار سبحانه إلى طهارة القلوب بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات: 3] ، وقوله: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] .
ومن الآيات أيضًا التي تتضمن معنى التطهر قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] ، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] [1] .
ما تطهر به النفس:
ولكن كيف يتم تطهير النفس في رأي حكيمنا الأخلاقي حتى يصبح الإنسان مرشحًا لخلافة الله تعالى مستحقًا به ثوابه؟
يرى أن العلم والعبادات هما المطهران للنفس، إذ أن أثرهما في النفس كأثر الماء الذي يطهر البدن [2] ، وأدلته على ذلك الآيات القرآنية التي يفسرها بهذا المعنى، مثل قوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ، وقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] .
فالآية الأولى تدل على أن حياة النفس في العلم والعبادة.
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة: ص 20.
(2) نفسه ص 21، 22.