3 -خلافته المذكورة في قوله تعالى: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] [1] .
ولا يستحق الإنسان الخلافة إلا بتحري مكارم الشريعة، وهي الحكمة والقيام بالعدالة بين الناس في الحكم والإحسان والفضل، والغرض منها بلوغ جنة المأوى.
ولما كان شرف الأشياء بتمام تحقيق الغرض من وجودها ودناءتها بفقدان ذلك المعنى، فإن الفرس إذا لم يصلح للعدو اتخذ للحمولة، والسيف إن لم يصلح للقطع اتخذ منشارًا، وبالمثل فمن لم يصلح من الإنسان لتحقيق ما لأجله أوجد، فالبهيمة خير منه ولذلك ذم الله تعالى الذين فقدوا هذه الفضيلة {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179] [2] وتحري مكارم الشمريعة يحتاج إلى أن يصلح الإنسان نفسه أولًا بتهذيب نفسه قبل غيره، حيث ذم الله تعالى من يأمر غيره بالمعروف، وينهاه عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه. فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3] .
وتبدأ مكارم الشريعة بطهارة النفس بالتعلم للتوصل إلى الحكمة، ثم العفة للتوصل إلى الجود، والصبر ليدرك الشجاعة والحلم، والعدالة لتصحيح الأفعال.
وباستكمال هذه الدرجات فإنه أصبح المعنى بقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وصلح لخلافة الله عز وجل.
ويظر لنا من التفرقة بين مكارم الشريعة والعبادات، أن العبادات فرائض معلومة ومحددة وتاركها يصبح ظالمًا، بينما المكارم درجة أعلى من العبادات، ولذا فإن أداء العبادات من باب العدالة، ولكن التحري بمكارم الشريعة من قبيل النفل و الأفضال [3] .
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة: الراغب الأصفهاني ص 18.
(2) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 18.
(3) نفسه ص 20.