الصفحة 164 من 253

والإنسان أفضل من سائر الحيوان بالعقل والعلم والحكمة والتدبير والرأي، وإن كل ما أوجد في هذا العالم فمن أجل الإنسان [1] ، وهو يعنى أن تخصيص الإنسان بالعقل يجعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، وقد ارتقى إلى درجة الكمال ببعثة الأنبياء [2] .

ويقول في إحدى عباراته"وجملة الأمر، أن الإنسان هو زبدة هذا العالم، وما سواه مخلوق لأجله، ولهذا قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ، والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رشح له [3] ."

وللنفس الإنسانية قوتان، قوة الشهوة وقوة العقل، فبالأولى يحرص الإنسان على تناول اللذات البدنية والبهيمية، وبالثانية يحرص على تناول العلوم. وقد عالج الراغب اختلاف الناس في الخلق"الأخلاق"، حيث رأى بعضهم أنها من جنس الخلقة ولا يستطيع أحد تغيير ما جبل عليه إن خيرًا وإن شرًا، ويعارض هذا الرأي لأن للإنسان قوة تجعله يستطيع أن يتخلق بالأخلاق الحسنة، فقد جعل الله له سبيلًا إلى إسلاس أخلاقه؛ ولهذا قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] ، وإذا لم يكن الأمر كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والأمر والنهي ولما جاز عقلًا أن نسأل أحدًا لم فعلت ولم نكصت وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعًا وقد وجدناه في بعض البهائم ممكنًا، فالوحش قد ينقل بالعادة إلى التأنس والجامح إلى السلاسة [4] .

ومهما اختلف الناس في غرائزهم، من حيث قبول البعض إلى إمكان التغيير السريع لأخلاقهم والبعض الآخر إلى البطء والبعض في الوسط؛ إلا أنه لا ينفك من أثر قبول.

والبواعث على طلب الخيرات الدنيوية ثلاثة، أدناها مرتبة الترغيب والترهيب ممن يرجى نفعه ويخشى ضره، وهي من مقتضى الشهوة؛ ولذا فهي من فعل العامة، والثاني: رجاء الحمد

(1) تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين ص 15 سلسلة الثقافة الإسلامية (العدد 28) 1380 هـ- 1961 م.

(2) محاسن التأويل، القاسمي ج 2 ص 283.

(3) نفسه ص 109 - 110.

(4) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت