وربما يتضح الاتجاه الأخلاقي للأصفهاني في تعريفه للحكمة في موضع آخر بأنها: اسم لكل علم حسن وعمل صالح، فهي بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري.
أما الوسيلة لبلوغ درجة الحكمة فهي لا تتحقق إلا لرجلين:
أحدهما: مهذب في فهمه، مؤمن في فعله، ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر، أي أنه يجعل الغاية من الحكمة تكوين الإنسان المؤمن، لأن الإيمان زبدة العقل والعمل، ومن ثم فلا يعد الكافر إنسانًا إلا على سبيل المجاز لأنه لم يستكمل مرتبة الإنسانية القائمة على العلم بالله وعبادته [1] .
الثاني: الذي يصطفيه الله تعالى. وربما يقصد الحاصلين على الحكمة بنوع من الإلهام [2] .
وقد تنبه الأصفهاني إلى اختلاف مفهوم الحكمة كما وردت في القرآن والحديث، ويبين الحكمة عند فلاسفة اليونان، إذ وصفهم بأنهم كانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا عملة، ويستطرد في بيان رأيه عنهم فيقول: (( كانوا يصورون الآلة ولا يخرطون الأداة، يشيرون إليها ولا يمسونها يرغبون في التعلم ويرغبون في العمل ) ) [3] .
بينما يلح على ذكر العمل لأنه ما خلى ذكر اللإيمان في عامة القرآن من ذكر العمل الصالح كقوله {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] ، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، ويجمع الأقوال الدالة على إبطال فائدة العلم بلا عمل فالعلم من غير العمل مادة للذنوب، وقال رجل لرجل يستكثر من العلم ولا يعمل"يا هذا إذا أفنيت عمرك في جمع السلاح فمتى تقاتل" [4] .
ونكتفي بهذه المقدمة للتعريف بالراغب الأصفهاني وأشهر كتبه المطبوعة، لننتقل للحديث عن مواقفه الميتافيزيقية والأخلاقية، وبيان منهجه الذي جمع فيه بين العقل والنقل ومزجهما عن دقة
(1) تفصيل النشأتين ص 45 - 46.
(2) الذريعة ص 41.
(3) محاضرات الأدباء ج 1 ص 93.
(4) الذريعة ص 115 - 116.