الوجه قال أيضًا: (( ما من مسلم غرس غرسًا لم يأكل منه أحد إلا كان له صدقة ) )، ولكنه يشترط في هذه الأعمال لكي تكون عبادة، مراعاة أمر الله في جميع الأمور دقيقها وجليلها، وأن يتحرى بها حكم الشريعة [1] .
ودعاه ذلك إلى بحث مدلول"الإنسان الحضاري"بلغتنا، وهو عنده الإنسان المؤمن، الآخذ بالأسباب المؤدية إلى جعله مستحقًا لخلافة الله سبحانه وتعالى في الأرض، أي الأخذ بمكارم الشريعة، وهى الحكمة والقيام بالعدالة، جاعلًا دور الحكماء يلى الرسل والأنبياء عليهم السلام.
الحكمة لدى الأصفهانى:
عرض الأصفهاني أولًا للمعنى اللغوي للحكمة، فردها إلى الفعل الثلاثي"حكم"وأصله منع منعًا لإصلاح، ومنه سميت اللجام"حكمة"الدابة فقيل حكمته، وحكمت الدابة منعتها بحكمة، وأحكمتها جعلت لها حكمة، وكذلك حكمت السفينة وأحكمتها.
عندما نظر إلى الكلمة كما وردت في القرآن، ميز بين الحكمة المنسوبة لله سبحانه وتعالى والمتصف بها الإنسان، فالحكمة من الله تعالى"معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات"أي لأن لها وجه أخلاقي عملي إلى جانب المعرفة.
وقد تفرد الله عز وجل بمعنى لا يوصف به غيره في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] .
وأوضح الراغب المقصود بالحكمة في بعض الآيات الواردة في القرآن مثل قوله تعالى {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] فقيل: تفسير القرآن؟ ويعنى ما نبه عليه القرآن، مستندًا إلى تفسير لابن عباس بأنها علم القرآن ناسخه ومنسوخه محكمه ومتشابهه [2] .
(1) تفصيل النشأتين، وتحصيل السعادتين: ص 48 - 49 وفي مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء: (من غرس غرسًا لم يأكل منه آدمي خلق من خلق الله .. ) .
(2) المفردات ص 126 - 128.