الصفحة 160 من 253

للحرية بشقيها الميتافيزقى والأخلاقي لما أثبته من حرية الإنسان في اختيار أفعاله، إلى جانب مدلول الحرية المعبر عن سيطرة الإنسان على أهوائه وشهواته وارتقائه إلى مستوى (( التلطف عن الأخذ ) ) [1] .

واسترشد الراغب بالآيات القرآنية للاستدلال على مفاهيم متعددة تتناول الغرض من وجود اللإنسان على هذه الأرض، مستخلصًا فكرة"عمارة الأرض"التي عنى بها كأحد الأهداف الإلهية من خلق الإنسان.

وفي نظرته إلى (( العبادة ) )لم يقتصر على المعنى الأخلاقي لها كفعل مناف للشهوات - كما سنرى - ولكنه جعل الأعمال الإنسانية كلها لونًا من العبادات، أي أنه بالاصطلاح الحديث، جعل من مظاهر هذه العبادة سيطرة الإنسان وتسخيره لما في السماء والأرض من موجودات لصالحه والارتقاء بحياته، ونجاحه في الاكتشافات العلمية المؤدية لاستخراج ما في باطن الأرض وظاهرها، وتعميرها، واستغلال كنوزها، واستخدام الآلات المخترعة في توفير احتياجاته وتحقيق سعادته في الدنيا والتمتع بخيراتها. وحث على بذل الجهود اللإنسانية بكافة قواها - مباشرة أو بواسطة الآلات المحققة لهذه الأغراض - للوصول إلى تسخير المخلوقات وتحسين ظروف الحياة على ظهر الأرض، جاعلًا من كل هذه الأعمال لونًا من العبادات. فقد جعل من كل فعل يتحراه الإنسان عبادة سواء كان الفعل واجبًا أو ندبًا أو مباحًا، متوسعًا في الأعمال المباحة، لأنه ما من مباح في رأيه إلا وإذا تعاطاه الإنسان على ما يقتضيه حكم الله تعالى كان (( كالإنسان في تعاطيه عابدًا لله مستحقا لثوابه ) ) [2] ، مستندًا لخطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد (( إنك لتؤجر في كل شئ حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك ) )، وعلى هذا

(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة: تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ص 59 ط مكتبة الكليات الأزهرية 1393 هـ- 1973 م.

وقام زميلنا الأستاذ الدكتور أبو اليزيد العجمي بإصدار طبعة محققة جديدة. دار الصحوة بالقاهرة 1405 هـ- 1985 م.

(2) تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين: الأصفهاني ص 48 من سلسلة الثقافة الإسلامية العدد 28 ذو القعدة 1380 هـ- أبريل 1961 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت