الصفحة 159 من 253

أفكارهم واشتهرت أسماؤهم على حساب عدد آخر من حكماء الإسلام، فكم من العلماء، الحكماء الغائبين في متاهات النسيان أو زوايا النكران؟!!

ولا نحب الانسياق وراء التعليلات والتفسيرات بسوء الحظ الذي لحقهم أمواتًا كما لحقهم أحياء، فقد آلينا على أنفسنا أن نساهم بجهدنا المحدود - والله المستعان - في مسح غبار النسيان عن بعض بناة أمجاد الثقافة الإسلامية، بادئين بأحد حكمائها الشيخ أبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني، الذي جمع ثقافات عصره من لغة وأدب وتاريخ وتفسير وحديث وفقه وفلسفة وعلم كلام ومقارنة الأديان، وكتب في هذه العلوم عن دراسة واسعة وفهم عميق. فأخرج كتابه"محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء"، الذي جمع فأوعى من كافة صنوف المعرفة والعلوم التي أحاط بها علمًا، كما تفتق ذهنه عن منهج جديد في تفسير القرآن الحكيم، فرأى أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علومه، (( العلوم اللفظية ) )، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة (فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه) [1] ، والقارئ لكتابه"المفردات في غريب القرآن"يقتنع بصحة منهجه.

كما أوضح لنا رأيه في الاتجاهات الأخلاقية السائدة حينذاك واستوعبها في كتاب، ربما يعد من أفضل كتب الأخلاق التي أبدعتها قرائح علماء المسلمين، وسماه"الذريعة إلى مكارم الشريعة"، إلى جانب كتب أخرى ما زالت راقدة على أرفف المخطوطات تنتظر من يحييها بعد طول رقاد.

ونقول باختصار: أننا نرى أنه أسهم بمؤلفاته في مقاومة تيار الغزو الثقافي الأجنبي، بل استطاع تطويع هذه الثقافة للتصورات الإسلامية، فكشف عن حكيم مسلم، حيث مزج النظر العقلي التأملي في موضوعات الغياب - أو ما وراء الطبيعة - بنبضات الحياة الأخلاقية المثلى للإنسان أثناء سعيه في الأرض نحو غاية الغايات، وهي السعادة الأخروية الأبدية، وأعطى مدلولًا مبتكرًا

(1) المفردات في غريب القرآن: تحقيق، وضبط محمد سيد كيلاني ص 6 ط الحلبي 1381 هـ- 1961 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت