الصفحة 123 من 253

يقول الدكتور دراز (( وهكذا تمضي إرشادات القرآن الحكيم ناهية عن التزيد في حق النفس، حاضة على الزيادة في حق الغير، مخيرة المعاملة بالمثل دون نهي عنه أو تحريض عليه" [1] هذه سمة أولى من سمات الفضيلة."

أما السمة الثانية فتتعلق بنفاذها إلى أعماق الضمير حتى يتشربها القلب فتصدر عنه بترحاب وطيب خاطر ومحبة، لا عن جهاد خلقي شاق، على عكس بيان الفلاسفة، فقد أشار مؤرخو الفلسفة إلى زعم سقراط أن الإنسان مجرد عقل فحسب، ثم أضاف أفلاطون إليه العاطفة، وجاء أرسطو فرأى أن الإنسان يشتمل أيضًا على إرادة فعالة، مبينًا أن الفضيلة ليست علمًا تنزع بصاحبه إلى العمل مع قصور الهمة، بل هي عمل يبرز إلى الوجود، ويحتاج إلى الرياضة والتدريب حتى يصبح عادة ثابتة وخلقًا راسخًا.

ولكنها في هذه الحالة، قد تصبح الفضيلة عملًا آليًا تسخيريًا تمجه النفس.

أما الفضيلة في القرآن الكريم، فهي ترتقي بالنفس الإنسانية لتصبح عملًا انبعاثيًا محببًا إلى القلب. مصداق ذلك قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7، 8] .

وعلى العكس من ذلك، فإن فاعل الخير المفتقد لأريحية النفس له ليس خليقًا بأن يسمى خيرًا ويسجل القرآن المجيد هذه النظرات: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} [التوبة: 98] {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 33، 34] .

(1) نظرات في الإسلام: (د. دراز ص 113 وما بعدها. بتصرف) ، تحقيق محمد موفق البيانوني- مكتبة الهدى - حلب 1392 هـ- 1972 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت