الفضيلة في القرآن:
رأينا نقد ابن تيميه لفكرة الفضيلة في فلسفة أرسطو الأخلاقية بسبب أنها اعتبارية ولا يجمعها حد جامع واضح يميز تمييزًا دقيقًا بين طرفي التفريط والإفراط.
وفي العصر الحديث أدى نظر الدكتور دراز للآيات القرآنية إلى أنه استخلص منها تعريفًا منضبطًا للفضيلة بالنظر إلى المستويات الإنسانية منها. فإن طرق الناس في سلوكهم لا يتعدى صدورها عن إحدى النزعات الثلاث الآتية:
إما نزعة الاستئثار وإما نزعة الإيثار وإما نزعة المبادلة والمعادلة.
ويرى الدكتور دراز أن البيان القرآني أفاض في ذم سجية الأثرة والبغي والعلو، بينما وزع القيم الأخلاقية قسمة ثلاثية في طرفها الأعلى فضيلة الإيثار والطرف الأدنى رذيلة الاستئثار. ولم يعتبر مبدأ المقاصة الدقيقة في الحقوق والواجبات فضيلة أو رذيلة.
لأنه بمثابة رخصة مباحة لا يستحق المدح أو الذم وآية ذلك قوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 41 - 43] .
{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] .
{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] .
فالنهي أولًا عن تعامل الناس بالفاحش من القول لأنه يستوجب غضب الله، مع استثناء من كانت إساءته ردًا لمظلمة، ثم وضع الخطة الحميدة والفضيلة المندوب إليها وهي خطة العفو حتى يستحق مغفرة الله {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]