الصفحة 115 من 253

هذا من جانب. ومن جانب آخر افتقد أرسطو والفلاسفة دوافع الإلزام في فلسفاتهم التي تحرك سلوك الإنسان بالرغبة والرهبة.

وهنا يتضح - كما يذكر بارتملي مترجم كتاب أرسطو في الأخلاق - الفرق بين التشريع الإلهي والقانون الوضعي، فإن القوانين التي يضعها الناس بدافع الحاجة لاستعمالها، إذ حتى مع افتراضها الالتزام بمبدأ العدل، فقد تذهب إلى تحديد العقوبة بالإعدام على القاتل ولكنها لا تمس نفس العازم على ارتكاب الجريمة، أي أنها تخيفه من غير أن تصلحه، أما في شارع الله عز وجل فإن المرء"هو قاضي نفسه مؤقتًا على الأقل، ومن أجل أنه يمكن أن يحكم على نفسه، يمكنه أيضًا أن يتقي الوقوع في الخطيئة التي يشعر بأنها كبيرة من الكبائر، فإن الصوت الذي يناجيه من داخل نفسه قد أنذره بادئ الأمر أنه يمحص له النصح قبل أن يقرعه باللوم" [1] .

هذا بينما يعتبر أساس الإيمان بالحياة الآخرة في الاتجاه الإسلامي للأخلاق من أهم الأسس التي يشيد عليها البناء الأخلاقي وفي عملية الالتزام به، فبدونه تفقد الأخلاق قدسيتها وتأثيرها القوي في الإنسان، وليس هذا أساسًا للسلوك الأخلاقي فقط، بل إنه أساس للحياة إذ لا معنى للحياة - في الحقيقة - دون وجود هذا الأساس ودون الاعتماد عليه [2] .

وما دام الأمر كذلك فلم نلجأ إلى تراث غيرنا تاركين تراثنا؟ وقد مر بنا تعليق ابن تيمية على مذهب أرسطو فلا نعود إليه إلا بمقدار ما نسجله من رأي للدكتور سدجويك - الذي يكاد يتفق مع شيخ الإسلام إذ يرى ذلك العالم الغربي أن القارئ لكتاب الأخلاق لأرسطو يعثر على بحث متقن يختفي وراءه تفاسير دقيق، ولكنه يترك في نفس القارئ"أثرًا قويًا جدًا لعمل ناقص مشتت".

من أجل هذا كان يلح ابن تيمية في نداءاته للمسلمين أن يكتفوا بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لأنه"من تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية"

(1) مقدمة كتاب الأخلاق لأرسطو: بارتملي ص 18.

(2) الاتجاه الأخلاقي في الإسلام: مقداد يالجن ص 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت