الصفحة 114 من 253

بين الأخلاق والدين كانوا من اليهود"فهم يستجيبون لنداء المصلحة ولا يرعون المثل العليا حرمة، فيستهدفون لسخط الفيعات البشرية التي يعيشون بينها، فرأوا أن يحطموا قدسية هذه المثل في نفوس الناس حتى لا تثير تصرفاتهم الشائنة ثائرة المجتمعات تقبل وجودهم وتذعن لمسلكهم الكريه راضية مختارة" [1] .

كذلك لوحظ أن النظريات الأخلاقية لأغلب الفلاسفة - لا سيما القدماء - لا تعرف - أو تنكر الحياة الآخرة التي تتلو الحياة الدنيا، وهذا الإنكار يجعل من قانون الأخلاق ومسئولية الإنسان عن أفعاله في أزمة حقيقية، ولذا فإن على علم الأخلاق - معتمدًا على العقيدة الدينية - أن يتجاوز هذه الحياة الأرضية، متجهًا بالإنسان إلى الله تعالى، مثبتًا وجود الحياة الآخرة بما فيها من الثواب والعقاب [2] .

وإذا اتضح أن الأخلاق علم عملي، فإنه لا يكفي إذن أن نعرف الفضيلة حتى نروض أنفسنا على اتباعها، كذلك فإن الإقناع العقلي بدوره لا يكفي لإلزام الإرادة على السلوك القويم بل لابد من عنصر الإلزام لكي نسلك طريق الخير دون الشر، وها هو أرسطو بعد أن انتهى من كتابه"الأخلاق"يصرح"بأن كل ما في وسع المبادئ أن تحققه في هذا الصدد هو لسوء الحظ أن تشد عزم فتيان كرام على الثبات في طلب الخير وترد القلب الضعيف بفطرته صديقًا للفضيلة وفيًا لعهدها" [3] والأمر لا يحتاج إلى كبير عناء لإثبات أن الحد الأوسط الذي وضعه أرسطو لا يكفي أيضًا للتحديد والقطع بين الفضيلة والرذيلة، فهو نفسه يصرح بهذه الحقيقة فيقول:"لنتفق بادئ ذي بدء على هذه النقطة وهي أن كل مناقشة تورد على أفعال الإنسان لا يمكن البتة أن تكون إلا رسمًا مبهمًا، مجردًا عن الضبط، كما قد نبهنا إليه بادئ الأمر" [4] .

(1) مقدمة كتاب المجمل في تاريخ الأخلاق د. توفيق الطويل ص 20 - 21.

(2) نفسه ص 121.

(3) الأخلاق: أرسطو (الترجمة العربية) ص 229.

(4) نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت