لقهيذا لدراسة النظريات الأخلاقية لدى بعض علماء المسلمين وحكمائها فإنه يلزم إلقاء نظرة عامة على معالم الأخلاق التي تكلمنا عنها عنها في الباب الأول، إذ نلاحظ أنها لا تخلو من بعض المآخذ، بعضها يوجه إليها من ناحية افتقادها لعنصر الإلزام، والبعض الآخر لفصلها بين الدين والأخلاق إلى جانب الانتقادات التي وجهت إلى آراء الفلاسفة الأخلاقيين التي أوضحناها آنفًا.
ولقد سبق لابن تيمية أن تنبه إلى خلو نظريات فلاسفة اليونان الأخلاقية من الإلزام، إذ تبين له من دراستها أن"ما ذكروه من العمل متعلق بالندب" [1] أي ليس واجبًا ملزمًا.
الإلزام الخلقي إذن لا يشتق من الفكرة المحضة، والقوانين الأخلاقية لا ينبغي أن تصبح ترفًا عقليًا، وإنما ينبغي أن تكون قواعد للعمل. وقد سلم الأخلاقيون اليونان بهذه الحقيقة عند تقسميهم للعلوم واعتبار الأخلاق من العلوم العملية، وحرص بعضهم - كسقراط والرواقيون - على التعبير عن مثلهم الأخلاقية بسلوكهم العملي وهنا يتضح لنا الجانب العلمي الذي يتصل بالدين أكثر من اتصاله بالفلسفة كمنهج نظري عقلي محض، لأن الاتساق بين النظر والعمل"أو بين الاعتقاد والسلوك في الدين واجب، ومن ثم كان لوم الكتاب الكريم لمن {يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 226] [2] ."
وقد سبق بيان الاعتراض الشديد من بعض علماء الغرب من موقفه العلماء الوضعيين من الدين، وبالمثل، قد قوبلت فكرة فصل الأخلاق عن الدين بمعارضة شديدة من وجهة النظر الإسلامية أيضًا. يقول الكواكبي"أما المتأخرون الغربيون، فمنهم فئة سلكوا طريق الخروج بأممهم من حظيرة الدين وآدابه النفسية إلى فضاء الإطلاق وتربية الطبيعة، زاعمين أن الفطرة في الإنسان كإلىة لضبط النظام" [3] بل قيل إن أكبر دعاة الاتجاه الاجتماعي من أصحاب فكرة الفصل
(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ابن تيمية ص 105.
(2) الفلسفة اللا أخلاقية في الفكر الإسلامي. د. أحمد صبحي ص 31 ط دار المعارف 1969.
(3) طبائع الاستبداد، الكواكبي ص 394.