الصفحة 105 من 253

وهنا يبدو المظهر الثاني للإنسان، وهو انتماؤه إلى عالم الحقائق في ذاتها، وحينما يشعر الإنسان بالإلزام الخلقي، إنما يستلهمه من مثل أعلى متحررًا من آثار الوراثة وقيود البيئة ومواضعات الظروف، متجردًا عن العالم الطبيعي، متخلصًا من الجانب الذي يربطه بالعالم كما يبدو، مرتفعًا إلى عالم الحقائق في ذاتها"وعندئذ يتصرف ككائن أخلاقي، فيخضع سلوكه لمبدأ الواجب، ويزاول أفعاله بإرادة حرة، ولا يتقيد بغير نفسه التي تعتنق مبدأً أخلاقيًا تدين له بالولاء" [1] .

نقد المذهب:

يتجاهل كانط الغالبية من البشر بمكوناتهم المذهبية والعاطفية الذين يسعون بتصرفاتهم وسلوكهم إلى غايات تختلط فيها الأهداف بتحقيق منافع أو بحث عن سعادة، أو تحكم أعمالهم دوافع الرجاء أو الخوف، وتتعدد واجباتهم بتعدد الأحوال والعلاقات.

إن قانون الواجب الصارم يصلح فقط لقلة خاصة من ذوي الإرادات الحديدية الذين لا يحققون من سلوكهم إلا عمل"الواجب فحسب، حتى لو أدى ذلك إلى تضحيات بالمال والوقت والراحة وغيرها".

إن هذه الصيغة الكانطية التي تقيم الإلزام على أساس"شكله المحض"المجرد عن مادته [2] هذه الصيغة يصعب الانقياد لها في كل الأحوال.

ويقول الدكتور دراز"الواجب الكلي العام، فلنقبله، ولكن ينبغي أن نفرق بين درجات كثيرة من العمومية فإن لها امتدادًا بقدر ما لها من مفاهيم:"

الواجب الأبوي والأموي، والزوجي، والبنوك، واجبات الرياسة والصداقة والمواطن والإنسان واجب العمل وواجب التفكير وواجب المحبة"."

(1) دستور الأخلاق في القرآن: دراز ص 282.

(2) نفسه ص 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت